*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي الأبيض بين الحصار والابتزاز*

 

 

 

متابعات: اللحظة نيوز

في الأدبيات السياسية، لا تُحسم الحروب بالسيطرة على الجغرافيا وحدها، وإنما تمتد إلى ميدان الإرادة والوعي. لذلك، فإن ما تواجهه مدينة الأبيض اليوم من تحديات تتجاوز حدودها المحلية إلى أبعاد أمنية وسياسية ونفسية، يفرض على بلادنا قدراً أكبر من اليقظة والحرص والتماسك الوطني.

فقد أكد أول أمس قائد القوات البرية الفريق مالك الطيب خوجلي، أن العمليات العسكرية تمضي نحو استعادة ما تبقى من المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، وأن تحرير بابنوسة وزالنجي والضعين بات هدفاً قريب المنال، تصاعدت في المقابل هذه التصريحات التحذيرات الدولية من هجوم محتمل على مدينة الأبيض، وسط دعوات أممية لتجنب تكرار ما جرى في الفاشر. وبين هذين المشهدين، نشأ جدلا واسعا داخل السودان ووسط السياسين، حول طبيعة هذه التحذيرات وأهدافها الحقيقية.

ولا شك أن الحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية لا تتعامل مع التحذيرات الدولية باستخفاف، فهذه المؤسسات تستند إلى منظومات واسعة للرصد والمتابعة. غير أن قطاعاً واسعاً من السودانيين لم يعد ينظر إلى تلك البيانات و التحذيرات باعتبارها رسائل محايدة، بل يقرأها في سياق تجربة طويلة من التناقضات الدولية التي صاحبت الحرب.

فالسؤال الذي يتردد اليوم ليس لماذا تحذر الأمم المتحدة من الأبيض، وإنما لماذا عجز المجتمع الدولي عن منع المآسي التي سبق أن حذر منها في الفاشر؟ ولماذا تبدو بعض القوى الدولية شديدة الحرص على إطلاق بيانات القلق، بينما تتراجع فاعليتها ولا تتخذ مواقف واضحة عندما يتعلق الأمر بمساءلة المليشيا عن الانتهاكات الواسعة التي ظلت ترتكبها تجاه المدنيين.

ويكتسب هذا التساؤل أهمية أكبر إذا نظرنا إلى ما شهدته الأبيض نفسها خلال الأيام الماضية. فالمدينة ظلت تتعرض، لهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مرافق مدنية وخدمية حيوية، شملت منشآت الكهرباء والمياه والأسواق، وهي مرافق ترتبط مباشرة بحياة المواطنين واستقرارهم.

ومن هنا يتساءل كثير من السودانيين: إذا كانت الأمم المتحدة تخشى وقوع كارثة إنسانية في الأبيض، أليس من الأولى أن يكون موقفها أكثر وضوحاً تجاه الانتهاكات التي حدثت بالفعل؟ وأليس استهداف البنية التحتية المدنية والمرافق الخدمية، كمنشآت الكهرباء والمياه والأسواق، عملاً محظوراً بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب، بما يستوجب إدانة أكثر صراحة ومطالبة أكثر جدية بالمساءلة؟

تعكس هذه الأسئلة أزمة الثقة بين المجتمع السوداني والمؤسسات الدولية. فبعد سنوات من الحرب، بات كثير من السودانيين يرون أن القوى الدولية أصبحت أكثر انشغالاً بإدارة الأزمة وإطالة أمدها من العمل على إنهائها، وأكثر حرصاً على حفظ توازنات الصراع من معالجة جذوره الحقيقية. ومن هذا المنظور يفسر البعض التحذيرات الأخيرة باعتبارها جزءاً من ضغوط سياسية مبتذلة تستهدف الحكومة السودانية لدفعها نحو ترتيبات تفاوضية أو هدن إنسانية قد تسهم في إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالتحذيرات الدولية بقدر ما يتعلق بسبب تصاعد الاهتمام بالأبيض في هذا التوقيت. فالتطورات الميدانية تشير إلى تحولات مهمة في كردفان ، بالتزامن مع تزايد التصدعات داخل المليشيا وانحياز بعض قياداتها إلى جانب الدولة، فضلاً عن تنامي الأصوات التي تتحدث عن الانتهاكات التي تعرض لها المدنيين خلال الحرب.

وفي هذا السياق، لا يستبعد المراقبون أن يكون التصعيد حول الأبيض جزءاً من محاولة لإعادة تشكيل المشهد العسكري في كردفان، ودفع الجيش إلى توزيع جهوده على نحو يخفف الضغط عن محاور أكثر أهمية للمليشيا، خاصة المرتبطة بخطوط الإمداد نحو دارفور. وبذلك لا تُفهم معركة الأبيض كمعركة مدينة، بل كجزء من صراع أكبر على مسار الحرب.

كما لا يمكن استبعاد البعد السياسي في هذا التوقيت. فالقوة المتمردة عندما تواجه ضغوطاً ميدانية أو اهتزازات داخلية، تلجأ إلى صناعة حدث كبير يعيد توحيد صفوفها ويحول الأنظار عن أزماتها. ولذلك قد يكون جانب من الضجيج الإعلامي المصاحب للأبيض مرتبطاً أيضاً بمحاولة إنتاج صورة جديدة للمليشيا في لحظة تتزايد فيها التساؤلات حول مستقبلها.

وفي المقابل فإن ثمة رواية أخرى تتشكل داخل المشهد الكردفاني تتحدث عن خسائر متزايدة في صفوف المليشيا وعن تراجع قدرتها على إحداث اختراقات استراتيجية حقيقية. وسواء صحت كل هذه المعطيات أو بعضها، فإن الأهم من تفاصيلها أنها تكشف عن وجود حرب نفسية واسعة النطاق.

في هذا السياق، وبحسب #وجه_الحقيقة، تسعى المليشيا إلى تضخيم قدرتها على تهديد الأبيض لبث الخوف وإرباك الجبهة الداخلية، بينما يساهم حديث الأطراف الداعمة لها في تحقيق الأثر ذاته. وهنا تكمن طبيعة المعركة، فالحروب الحديثة تُدار، بالتأثير على الرأي العام. لذلك لا يتمثل التحدي الحقيقي في التهديدات العسكرية، وإنما في الشائعات و التخويف وتضارب المعلومات التي تستهدف استنزاف إرادة السكان والنيل من صمودهم، وهو ما يجعل الوعي والثبات جزءاً أصيلاً من معركة الدفاع عن المدينة.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 22 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#الأبيض
#مدينة_الأبيض
#حصار_الأبيض
#الأبيض_بين_الحصار_والابتزاز
#الحرب_في_السودان
#أحداث_كردفان
#شمال_كردفان
#القوات_المسلحة_السودانية
#الدعم_السريع
#إبراهيم_شقلاوي

Exit mobile version