*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ضغوط الدولار ومسارات السلام*

 

 

متابعات: اللحظة نيوز

في الحروب الحديثة لاتقف المعارك عند حدود ميدان المعركة بل تمدت إلى الأسواق المالية، وسلاسل الإمداد. فالدول قد تصمد عسكرياً، تظل تواجه اختبارات اخري عندما تنتقل الضغوط إلى الاقتصاد ومعاش الناس. ومن هذه الزاوية ، تبدو أزمة الجنيه السوداني ليست اختلالات نقدية فحسب إذ تتداخل فيها عوامل السياسة الإقليمية وحسابات التسوية المنتظرة.

يأتي التراجع المستمر في قيمة العملة الوطنية في وقت تشهد فيه البلاد تحولات ميدانية مهمة، بالتوازي مع تصاعد الدعوات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار والانتقال إلى مسار تفاوضي. لذلك يصعب فصل المشهد الاقتصادي عن البيئة السياسية المحيطة بالحرب، خاصة أن الضغوط لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت إعلامية ودبلوماسية واقتصادية أيضاً.

وفي هذا الظروف المعقدة تتجه الأنظار إلى عمق العلاقات الاستراتيجية التي تجمع السودان بشركائه الإقليميين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية ودولة قطر. فمع تصاعد الضغوط التي تهدد الاستقرار النقدي والاقتصادي، تبرز أهمية توفير دعم مالي مباشر أو وديعة تعزز احتياطيات بنك السودان وتساعده على استعادة التوازن في سوق النقد الأجنبي. لأن متانة العلاقات لا تُقاس بحجم التصريحات أو الاتفاقات، بل بقدرتها على التحول إلى مواقف عملية تسهم في مواجهة التحديات. فالأزمات تظل المعيار الأكثر دقة لقياس فاعلية الشراكات وصلابتها.

غير أن اختزال الأزمة في غياب الدعم الخارجي لا يكفي لفهم الصورة كاملة. فبيانات الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية أول أمس تشير إلى فجوة، بين حصائل الصادرات وحجم الطلب على العملات الأجنبية.

فخلال الربع الأول من عام 2026 بلغت صادرات الذهب نحو 370 مليون دولار، بينما تجاوزت فاتورة استيراد الوقود 697 مليون دولار، ما خلق طلباً إضافياً على النقد الأجنبي. كما أدى الارتفاع الحاد في أسعار الوقود العالمية نتيجة الأحداث في مضيق هرمز إلى مضاعفة تكلفة الاستيراد، الأمر الذي دفع السوق الموازية، إلى استقبال طلبات تفوق قدرتها على الاستيعاب، فكانت النتيجة مزيداً من الضغوط على الجنيه.

لكن الأزمة أخطر من ذلك. فالسودان لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من ضعف إدارتها. وتبقى الفجوة بين إنتاج الذهب والكميات التي تدخل القنوات الرسمية واحدة من أخطر مظاهر الاختلال الاقتصادي.

فبلد ينتج عشرات الأطنان من الذهب سنوياً لا يفترض أن يظل رهينة لشح النقد الأجنبي، إلا إذا كانت المشكلة تتعلق بالحوكمة والرقابة وكفاءة إدارة الموارد. كما أن استمرار تعدد أسعار الصرف والسياسات المرتبطة بالدولار الجمركي أسهم في تشويه السوق وإضعاف الثقة في النظام المصرفي وفتح أبواب المضاربة والفساد، الأمر الذي يجعل توحيد سعر الصرف وإصلاح السياسات النقدية والجمركية ضرورة لا تحتمل التأجيل.

إلا أن القراءة السياسية للأزمة تظل ضرورية لفهم أبعادها الحقيقية. فثمة مؤشرات، على أن الضغوط الاقتصادية أصبحت جزءاً من البيئة الدولية والإقليمية الدافعة نحو إنهاء الحرب. وليس المقصود هنا وجود مؤامرة بالمعنى، وإنما قناعة متنامية لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين بأن استمرار النزاع لم يعد قابلاً للاستدامة، وأن رفع كلفته الاقتصادية قد يدفع الأطراف إلى مراجعة حساباتها السياسية. وفي مثل هذه الحالات يتحول الدولار إلى ورقة ضغط مؤثرة في مسار الحرب واستعادة السلام.

غير أن جوهر القضية لا يتعلق بوقف إطلاق النار وحده، بل بطبيعة السلام الذي يمكن أن ينتج عن هذه الضغوط. فالأزمة السودانية تختلف عن النزاعات التقليدية. فالدعم السريع لم يكن في الأصل فصيلاً سياسياً، وإنما قوة مسلحة نشأت داخل المنظومة الأمنية قبل أن تدخل في مواجهة مع الدولة في أبريل 2023. لذلك فإن أي تسوية قابلة للاستمرار، يجب أن تبدأ بمعالجة البعد العسكري عبر برامج التسريح وإعادة الدمج ونزع السلاح وإعادة البناء، بما يمنع تكرار ظاهرة الجيوش الموازية.

ومن هنا تبدو الدولة السودانية أمام معادلة معقدة، فاستمرار الحرب يفاقم الضغوط الاقتصادية ويزيد كلفة الصمود، بينما قد يفرض الواقع السياسي القبول بتهدئة تفتح الباب أمام إنهاء التمرد عبر ترتيبات أمنية واضحة، مع إشراك القوى السياسية والمدنية المرتبطة بالحرب في حوار سوداني ـ سوداني حول مستقبل الدولة، دون أن يتحول السلاح إلى مصدر للشرعية السياسية أو وسيلة لانتزع السلطة مع الابقاء علي العدالة الانتقالية كضامن.

وبحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة فإن معركة السودان اليوم لم تعد معركة بنادق، بل معركة اقتصاد وإرادة ومستقبل دولة. فالدولار قد يكون أداة ضغط مؤثرة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع سلاماً دائماً، كما أن الانتصارات العسكرية وحدها لا تكفي لبناء استقرار مستدام. وبين ضغوط الدولار ومسارات السلام يقف السودان أمام لحظة فارقة، حيث تتقاطع رهانات الاقتصاد مع حسابات السياسة، ويصبح النجاح مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل الضغوط، إلى فرصة لإعادة بناء مؤسساتها واستعادة ثقة مواطنيها وصياغة سلام يحفظ وحدة البلاد ويؤسس لمستقبل مستقر .
دمتم بخير وعافية.
الإربعاء 24 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#السودان
#الاقتصاد_السوداني
#الجنيه_السوداني
#الدولار_في_السودان
#الحرب_في_السودان
#السلام_في_السودان
#مستقبل_السودان
#التحليل_السياسي
#بنك_السودان
#إبراهيم_شقلاوي

Exit mobile version