
متابعات: اللحظة نيوز
لهذا التاريخ أثرٌ باقٍ في السياسة والحكم في السودان، كلٌّ يقرؤه من الزاوية التي تليه. فالذين استجابوا لذاك النداء منذ فجر الثلاثين من يونيو، ومضوا في المسيرة بالعزم الأكيد، فقهوا دواعي التغيير، واستنقذوا الوطن ــ الموكر ــ من أوحال الخلافات، وضعف الدولة، وهزال القرار، بينما كانت عواصف التمرد وعوارضه تستقبل الأودية، توشك أن تعصف بأسباب الحياة، وتضع الوطن تحت تصرف جون قرنق وسلفاكير، وبالتالي اليهود الصهاينة منذ ذلك الأجل البعيد. وبذلك تكون الإنقاذ سببًا في تأجيل ما يحدث الآن من فوضى مصطنعة، وتدمير متعمد، وتخويف مقصود لذاته، لإحداث الإحلال والإبدال لما كان يسمى السودان القديم، دولة 56، والتمهيد لقيام السودان الجديد، بكل ملامح قحط التي جرى استعراضها في المسيرات والاعتصامات والتصريحات، وإلغاء القوانين، وتغيير المناهج، وغيرها من الملامح القديمة المتجددة الخصومة للدين والقيم والأخلاق.
نعم، قبل سبعة وثلاثين عامًا حدث التغيير بالقوة لنظام حكم ديمقراطي منتخب، ولكنه عجز عن إدارة الحكم، وفرط في سلامة الوطن ودينه، الذي قيل إن قوانين الشريعة لا تسوى الحبر الذي كُتبت به، وهدد بضعفه مبدأ وجود الدولة السودانية، الأمر الذي أفضى إلى تلافي ذلك باستلام السلطة لتسوية الأمر؛ فهو فصلٌ وليس هزلًا تتداوله ألسنة البرلمان بما لا يليق، ولا تجد عزمًا حتى لإكمال نصاب الجلسات.
ولكن، بقدر عجز وتقصير طائفة من الناس، كانت هناك طائفة تنطوي على همّ الوطن، وتأسى لمآلاته، وتعمل من أجل إقالة عثراته بقدر المستطاع، في بيئة إقليمية ودولية غير مواتية، لكنه قدر الرجال.
وفي مقابل ذلك، هناك آخرون مخالفون، يرون أن الانقلاب على السلطة، مهما كانت بائسة وضعيفة ومهددة لأمن الوطن، لا يبرره شيء، وأنها أفضل من الحكم العسكري. وظلت المعارضة السياسية حاضرة طوال فترات تداول الحكم في السودان، ما بين العسكري الهجين والديمقراطي المنتخب، مع ما فيه من علل التمثيل، وحقيقة ديمقراطية الواجهات والأوعية السياسية والأحزاب. وهذا الخلاف طبيعي، ولكن تحسمه النقاط والإنجازات على الأرض، فكل مشروعات التنمية ارتبطت بفترات حكم العسكريين، بينما اتسمت غيرها بالتوهان وعدم الانضباط، وانعكس ذلك على حياة المواطنين.
لا ينكر أحد أن فترة حكم الإنقاذ أنجزت كثيرًا من الملفات، وأهمها الشخصية الوطنية، واستقلال القرار، والاستعداد لدفع فاتورة ذلك، فضلًا عن ملفات عدة في مختلف المجالات الحيوية، ليسجل السودان أرقامًا في المنجزات على شتى الأصعدة.
صحيح أن دوام الحال من المحال، وأن تداول الملك يجري بأقدار الله تعالى، فظهرت التصدعات والخلاف على مستوى القيادة، مما أغرى الخصوم بتطوير أدوات المواجهة، حيث اتسعت لتشمل طوائف مقدرة من الشعب، شعرت بالملل، وأملت في الأفضل، بحسب الدعاية والشعارات والوعود التي بذلتها قيادات الحرية والتغيير. ومضى الأمر إلى أن وقع التور، وتكاثرت المدى والسكاكين، تقطع وتجتزئ بلا تمييز.
وغابت شمس الإنقاذ في الأفق الغربي وراء غيوم وأخلاط من المشاعر، ما بين آسٍ، وحَرِضٍ، وحزين، وما بين فرحٍ، ومستبشر، ومسرور، ينتظر غدًا أفضل، وحياة أسهل، وعيشًا رغيدًا، وحريةً وسلامًا وعدالة.
ولكن خاب الظن، ليكتشف الشعب أنه باع حاضرًا بغائب، فخسر صفقة عمره، واستبدل الخبيث بالطيب، فانهار سقف الدولة والأمان فوق الرؤوس، وجاء العذاب ممثلًا في السفاح حميدتي، وغطائه السياسي بنو قحط، الذين أخلفوا موعدهم مع الناس، وتبرؤوا منهم كما تبرأ الشيطان ممن تبعه يوم القيامة.
وبالتأكيد، فإن أغلب الناس، وسوادهم الأعظم، يحنون إلى تلك الأيام؛ أيام السترة، وراحة البال، وصون الأعراض، وحقن الدماء.
التحية، في هذه الفاصلة التاريخية، للمشير عمر البشير، فك الله أسره، ولكل إخوته وزملائه الشجعان، ولأعضاء مجلس قيادة الثورة، من قضى نحبه ومن ينتظر.
وتظل حكاية الإنقاذ، بما حوته من قضايا وأحداث وأسرار، وما أنجزته من مشروعات، وما فشلت فيه من أعمال، وما اعترى كسبها من عثرات، شأنًا إنسانيًا يحمل في سماته ضعف الإنسان ونقص أعماله. لكنها أمضت ثلاثة عقود على سدة الحكم، وما إن مضت حتى حدث الانهيار الكبير للدولة والمجتمع السوداني، الذي يقف الآن في مهب الريح، تعصف باستقراره، وتهدد مستقبله.
وسيذكر التاريخ تلك الحقبة من الحكم في السودان، بما لها وما عليها.
تقبل الله الشهداء من القوات المسلحة والدفاع الشعبي، الذين شكلوا السد المانع ضد المشروع الصهيوني التدميري، بأدواته المحلية والإقليمية والدولية. وما إن مضوا حتى انهار السد، وظهر يأجوج ومأجوج وزمرتهم ليفسدوا في الأرض كل هذا الفساد.
الله غالب.