*من الواقع٠٠٠ لينا هاشم٠٠٠ استقالة الفريق نصر الدين*

متابعات: اللحظة نيوز
في خطوة مفاجئة حملت في طياتها الكثير من التساؤلات المشروعة حول إدارة الموارد الاقتصادية الاستراتيجية في البلاد، أعلن المدير العام لشركة السودان للأقطان المحدودة ، الفريق نصر الدين عبد الفتاح، استقالته من منصبه عبر خطاب رسمي وجّهه إلى رئيس مجلس الإدارة ، وبينما ساق الرجل أسبابا خاصة تتعارض مع قيمه مبرراً لرحيله دون الخوض في التفاصيل، فإن توقيت هذه الاستقالة يفتح الباب واسعاً لقراءة المشهد الاقتصادي المعقد ، مشهد باتت تتداخل فيه خطوط الإنتاج الزراعي التاريخي والسباق نحو السيطرة على الثروات السيادية للبلاد
لم يكن قدوم الفريق نصر الدين إلى سدة الإدارة مجرد تغيير عابر في الأسماء أو تبديل للمواقع، بل جاء الرجل يحمل مشروعاً تصحيحياً رادعاً، وخطاباً علنياً قوياً يضع مواجهة الفساد وتجفيف منابعه على رأس الأولويات، مدفوعاً برغبة صارمة لإعادة الشركة إلى مسارها الصحيح واسترداد هيبتها الاقتصادية التي تآكلت بفعل الأزمات المتراكمة
جاءت استقالة الفريق نصر الدين لتهز ركود المشهد، تاركةً خلفها فراغاً عريضاً ملأته التكهنات والتحليلات إنها استقالة تفرض سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه – ما هي طبيعة الضغوط أو التحولات الكواليسية التي بلغت من الثقل ما يكفي لإيصال مسؤول بحجمه وخلفيته إلى قناعة قاطعة بأن حبال الاستمرار قد انقطعت، وأن التنحي هو السبيل الوحيد المتبقي ، تتعدد التكهنات وتتشابك الخيوط، لكن السؤال المحوري يظل شاخصاً في الأفق – هل اصطدم الرجل بجدار من العقبات الوعرة التي حالت دون ترجمة رؤيته الإصلاحية إلى واقع ملموس – وهل تكشّف له في منتصف الطريق أن دروب الإصلاح أشد تعقيداً وضراوة مما كان متوقعاً – أم أن هناك ملفات شائكة وشبكة من المصالح المتضاربة والنافذة قد نسجت خيوطها حوله، لتجعل من استكمال مهمته في إنقاذ قطاع القطن أمراً شبه مستحيل
القراءة المتأنية لهذا المشهد الإداري تقودنا إلى حقيقة مؤلمة وهي ان أشد ما يهدد كيان المؤسسات الوطنية ليس حجم الفساد بحد ذاته، بل أن ينطفئ بريق الأمل في نفوس الإصلاحيين ويُسلبوا القدرة على الفعل، أو أن يتسلل إلى قلب المسؤول شعور موحش بأن نبش ملفات الخلل سيتركه وحيداً في ساحة المعركة بلا نصير أو غطاء أخلاقي وقانوني ، فالأوطان لا تحميها نصوص القوانين الصماء المركونة في الأدراج، بل تحميها بيئة حاضنة وشجاعة، تُؤمن ظهر الذين يجرؤون على تطبيقها ومواجهة مراكز القوى
وضع الحقائق كاملة ودون مواربة تحت مجاهر الرأي العام لم يعد ترفاً صحفياً أو خياراً ثانوياً فقضية شركة السودان للأقطان تتجاوز بوزنها الاستراتيجي مجرد استقالة مدير أو تغيير هيكل إداري روتيني فهي قضية محورية تمس جوهر الثقة في قدرة مؤسساتنا الوطنية على صون المال العام، وحماية حقوق المزارعين الكادحين الذين تشكل لهم هذه الشركة رمزاً اقتصادياً وتاريخياً ضارباً في جذور الهوية السودانية
وأمام هذا المشهد الشائك المفتوح على كل الاحتمالات ، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً بانتظار إجابة حاسمة – هل كانت هذه الاستقالة خطوة اضطرارية وأخيرة في مسار محاولة الإصلاح الصامت، أم أنها مجرد قشرة خارجية تُمهد لكشف حقائق أكبر وأخطر خلف الكواليس
ان الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام بنادق الميليشيا في ساحات المواجهة، يجد نفسه اليوم مدفوعاً نحو الاستقالة ، فما الذي واجهه خلف المكاتب وامتلك سطوةً تفوق سطوة السلاح – هل وصلنا إلى المنعطف المظلم الذي تبدو فيه ‘ميليشيا المصالح والمؤسسات’ أكثر توغلاً وصلابة من الميليشيات الميدانية التي خاض ضدها معارك كسر العظم



