*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي الكهرباء… رواية الأسرار*

 

متابعات: اللحظة نيوز

خلف كل أزمة رواية، وخلف كل رواية تفاصيل لا يراها الناس. وفي أزمة خروج محطة سد مروي من الخدمة، كانت الرواية الأهم هي إدارة الأزمة، التي نجحت في تجنيب الشبكة القومية انهيارًا كاملًا.

وبحسب معلومات حصرية حصلت عليها وجه الحقيقة من مصدر مسؤول بالشركة السودانية لنقل الكهرباء، فإن الساعات التي أعقبت خروج المحول الرئيس “500 ك.ف” والكابل المغذي لم تكن مجرد سباق لإعادة التيار، وإنما كانت عملية معقدة لإدارة أزمة وطنية، اتُّخذت خلالها قرارات مصيرية لحماية الشبكة القومية، وتأمين المرافق الاستراتيجية، ومنع اتساع دائرة الانقطاع في ظل ظروف استثنائية فرضتها واقع الأزمة والتحديات.

وتكتسب هذه المعلومات أهميتها لأنها تكشف جانبًا ظل غائبًا عن الرأي العام. ففي مقالنا السابق “الكهرباء: أزمة أم مؤامرة؟” إنصب اهتمامنا على تشخيص الأزمة، والدعوة إلى تحقيق شفاف يكشف أسباب الحريق، والتنبيه إلى هشاشة قطاع أصبح جزءًا من منظومة الأمن القومي. أما اليوم، فإن الوقائع التي تكشفت لاحقًا تتيح قراءة الوجه الآخر للأزمة، من زاوية كيفية إدارتها، وما بذلته الكفاءات الوطنية لاحتواء آثارها.

وتكشف المعلومات الحصرية التي حصلت عليها وجه الحقيقة أن أولى الخطوات تمثلت في إصدار القرار الإداري رقم (14) لسنة 2026، القاضي بتكوين أول غرفة طوارئ للشبكة القومية للكهرباء، برئاسة المهندس طارق خليفة جعفر، وعضوية ممثلين عن شركات النقل والتوليد والتوزيع والإدارة العامة للتحكم والتشغيل. حيث كان مضمون القرار ، تأسيسًا لمركز قيادة ميداني يتولى إدارة الأزمة لحظة بلحظة، وتوجيه الموارد المتاحة وفق أولويات دقيقة، حتى استعادة استقرار الشبكة.

وتشير المعلومات إلى أن الأولوية كانت حماية المرافق التي يتوقف عليها استمرار الحياة. لذلك ركزت غرفة الطوارئ على تأمين الإمداد الكهربائي لمحطات المياه، والمستشفيات، باعتبارها خطوط الدفاع الأولى في مواجهة تداعيات الأزمة، قبل الانتقال تدريجيًا إلى معالجة القطاع السكني وفق برمجة راعت حجم التوليد المتاح وخففت من آثار الانقطاع على المواطنين.

وفي الوقت ذاته، خاض مهندسو النقل والتحكم واحدة من أكثر العمليات الفنية تعقيدًا منذ اندلاع الحرب. فقد نجحوا في إعادة هندسة مسارات التغذية الكهربائية عبر الاستفادة من محطات ستيت وأعالي عطبرة “220” م. واط والروصيرص “240” م. واط ، وربطها بمحطة سوبا التحويلية، إلى جانب إدخال البارجة ببورتسودان ب “100” م. واط، ثم تعزيز الشبكة بإمداد إضافي من محطة قري بنحو “90” م. واط . وام دباكر”200″ م. واط. كانت هذه معالجات استراتيجية حافظت على تماسك الشبكة.

وبفضل هذه الإجراءات، عادت محطات المياه النيلية للعمل من الشبكة القومية بدلاً من الاعتماد على مولدات الديزل مرتفعة التكلفة، كما أُعيد تشغيل محطات التوليد الحراري، واستعادت المستشفيات والمرافق الخدمية إمداداتها الكهربائية، قبل أن يبدأ التيار في العودة تدريجيًا إلى الأحياء السكنية وفق البرمجة التي وضعتها غرفة الطوارئ.

وتكشف المعلومات أيضًا أن أعمال المعالجة لم تتوقف عند تشغيل البدائل، بل امتدت إلى إصلاح ثمانية عشر برجًا منهاراً، وصيانة عدد من المحولات، بالتوازي مع وصول الإسبيرات وقطع الغيار المطلوبة إلى محطة سد مروي، إيذانًا ببدء المرحلة النهائية من المعالجة الجذرية، وإعادة المحطة إلى الخدمة بكامل طاقتها التشغيلية المتاحة .

وتشير المعلومات الحصرية إلى أن خطة استعادة الشبكة دخلت مرحلتها الأخيرة، إذ يُتوقع إعادة محولات الولاية الشمالية إلى الخدمة خلال الأيام المقبلة، بعد اكتمال تجهيز قطع الغيار، على أن تعود خطوط أم درمان وعطبرة تباعًا خلال الأسبوع القادم، في مؤشر على أن المعالجات العاجلة بدأت تفسح المجال لعودة تدريجية ومستقرة للشبكة القومية.

ولا يتعارض إبراز هذا الجهد مع ما طرحناه في مقالنا السابق، بل يؤكده. فقد كان حديثنا منصبًا على ضرورة كشف أسباب الحريق، ومراجعة منظومة الحماية والصيانة، وتعزيز أمن قطاع الكهرباء. أما هذه القراءة، فتوثق الوجه الآخر للحقيقة، وهو أن الكفاءات الوطنية، رغم محدودية الإمكانات وضغط الوقت، استطاعت أن تدير الأزمة بكفاءة، وتحول دون انهيار منظومة الإمداد الكهربائي في البلاد.

سياسيًا تؤكد هذه التجربة أن الكهرباء لم تعد مجرد خدمة، وإنما أصبحت ركيزة من ركائز الأمن القومي. فاستهدافها أو تعطلها ينعكس مباشرة على الأمن المائي، والصحة العامة، والاقتصاد، والاستقرار المجتمعي. ومن هنا فإن حماية الشبكة القومية لم تعد مسؤولية وزارة بعينها، بل قضية دولة تتطلب تكامل الجهود الفنية والأمنية والإدارية في أعلى مستوى.

كما تكشف الأزمة عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الاستثمار في الإنسان لا يقل قيمة عن الاستثمار في البنية التحتية. فما حدث أثبت أن الخبرة الوطنية المتاحة كانت العامل الحاسم في احتواء الأزمة، وأن الحفاظ على الكفاءات الهندسية وتأهيلها ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية الدولة لحماية مرافقها الحيوية.

ولا ينبغي أن يُختزل النجاح في إدارة الأزمة في استعادة الإمداد الكهربائي، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح القطاع. فبعد الجهد الاستثنائي الذي بذله مهندسو شركة النقل، بات مطلوبًا من الحكومة الإسراع بإعادة المحول الرافع للجهد في سد مروي حتى تستعيد الوحدتان المتوقفتان إنتاجهما وتعود المحطة إلى قدرتها الكاملة ” 1250″ م. واط ، بالتوازي مع التعجيل بإدخال محطتي قري وكلانييب إلى الخدمة بقدرة إجمالية تبلغ 900 م. واط ، بما يعزز استقرار الشبكة ويمنع تكرار الأزمة .

هذا وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن ما جرى في سد مروي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد رواية أسرار ومعالجات أو نهاية أزمة، بل بداية مراجعة شاملة لقطاع الكهرباء. فالتحقيق في أسباب الحريق ضرورة لا غنى عنها، كما أن النجاح في إدارة الطوارئ يستحق التقدير، لكنه لا يغني عن بناء منظومة أكثر قوة ومرونة، قادرة على الصمود أمام الأزمات، وحماية أحد أهم أعمدة البلاد في مرحلة التعافي وإعادة البناء.

دمتم بخير وعافية.
الجمعة 7 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com

#الكهرباء_رواية_الأسرار #سد_مروي #الشبكة_القومية #أمن_الطاقة #الأمن_القومي #إدارة_الأزمات #الكهرباء_في_السودان #مهندسو_السودان #إعادة_الإعمار #السودان

Exit mobile version