
متابعات: اللحظة نيوز
ليست كل الحروب تبدأ بالطلقة الأولى، فبعضها يبدأ عندما تكتمل التدابير في الظل، وترسم الخرائط، وتُوزع الأدوار، ثم تأتي الرصاصة لاحقًا لتعلن ما كان قد تقرر في الغرف المغلقة. لذلك فإن الخامس عشر من أبريل ربما لم يكن بداية الحرب، بل لحظة انكشاف مشروع أكبر تعثر في ساعاته الأولى، فتحول من انقلاب خاطف إلى حرب مفتوحة.
في هذا الإطار، تكتسب الإفادات الأخيرة التي قدمها حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي لبرنامج المنتدي السياسي لقناة السودان الفضائية قيمة استثنائية، لأنه كان أحد الفاعلين الرئيسين في المشهد السياسي والأمني، خلال المرحلة الانتقالية. ومن ثم فإن ما طرحه يمكن قراءته باعتباره شهادة تستوجب التحقيق والتوثيق والمقارنة مع بقية الشهادات، لأنها تمس واحدة من أكثر اللحظات غموضًا في تاريخ الدولة السودانية.
بحسب ما أورده مناوي، فإن ساعة الصفر لم تكن في الخامس عشر من أبريل، وإنما كانت مقررة في يوم عيد الفطر، قبل أن تتغير الأحداث. كما تحدث عن ترتيبات لتشكيل حكومة جديدة بعد أسبوعين، وعن احتفال كان مقررًا في منطقة سبدو لإعلان محمد حمدان دقلو “حميدتي” في موقع سياسي جديد بحضور وفود خارجية، إلى جانب لقاءات سبقت الحرب بأيام، نقل خلالها حديثًا منسوبًا لعبد الرحيم دقلو عن اعتقال القائد العام للقوات المسلحة، وحديثًا آخر نسبه إلى حميدتي تضمّن تهديدًا صريحًا بتحويل الخرطوم إلى “صرة رماد” إذا لم يتم تسليم السلطة.
إذا ثبتت هذه الإفادات، فإنها لا تعيد فقط ترتيب التسلسل الزمني للأحداث، وإنما تعيد تعريف طبيعتها. فنحن لا نكون أمام مواجهة عسكرية نشأت بسبب احتكاك في المدينة الرياضية، بل أمام مشروع سياسي متكامل كان يمتلك ساعة صفر، وخطة للسيطرة، وتصورًا لليوم التالي، وترتيبات لإعلان السلطة الجديدة. وهذه ليست مواصفات تمرد عسكري، بل سمات مشروع سياسي ،يستهدف الاستيلاء على الدولة.
إن أخطر ما كشفته شهادة مناوي ليس توقيت ساعة الصفر، وإنما تسلسل الوقائع. فحين تتحدث الرواية عن موعد محدد، ثم عن حكومة جاهزة، ثم عن احتفال سياسي،ثم عن خطاب يفيض بالثقة في حسم المعركة، فإن ذلك يوحي بأن القوة العسكرية لم تكن سوى إحدى أدوات المشروع، بينما كان الهدف هو هندسة السلطة وفق معادلات جديدة.
وتتضاعف أهمية شهادة مناوي لأنها لا تقف منفردة أمام الرأي العام، بل تتطابق في محاورها مع ما طرحه الأستاذ عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة التيار، في إفادات وكتابات له حول سيناريو اندلاع الحرب. وهذا التطابق، يجعل هذه الإفادات المهمة جزءًا من مادة سياسية وتاريخية تستحق الفحص بصورة رسمية والتوثيق للتاريخ.
اللافت أيضًا ما يتعلق بمكان الاحتفال. فاختيار منطقة سبدو، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بزيارة الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس إبراهيم عبود في ستينيات القرن الماضي، يمنح المكان ــ إذا صحت الرواية ــ بعدًا رمزياً يتجاوز الجغرافيا، وكأن المشروع كان يخطط له أن يكون امتدادًا لمشروع سياسي، مرتبط بالقومية العربية.
فعندما تبدأ شهادات الفاعلين والمراقبين حول وجود مؤشرات سبقت الحرب، فإن القضية تنتقل من تفسير لحظة إطلاق النار إلى محاولة فهم البيئة التي أنتجتها. وهنا تصبح مسؤولية الدولة الانتقال من الجدل السياسي إلى التحقيق القانوني، ومن الروايات إلى الوثائق والشهادات الموثقة.
لكن إفادات مناوي تفتح بابًا أوسع من مجرد توصيف المخطط، فهي تثير سؤالًا بالغ الأهمية حول حجم الشبكة التي كانت تتحرك في ذلك الوقت. فمشروع بهذا الحجم، لا يمكن قراءته باعتباره جهدًا عسكريًا منفردًا، بل باعتباره مشروعًا احتاج إلى مستويات متعددة من العمل والتنسيق، سياسيًا، وإعلاميًا، ولوجستيًا، وربما إقليميًا ودوليا أيضًا. وهنا لا يعود السؤال: من أطلق الطلقة الأولى؟ وإنما: من صاغ مشروع اختطاف الدولة السودانية ؟ ومن كان يهيئ البيئة السياسية له؟ ومن كان ينتظر إعلان السلطة الجديدة؟
وفي المقابل، تطرح هذه الشهادة سؤالًا يتعلق بما كان يجري داخل مؤسسات الدولة حين ذاك. فإذا كانت مؤشرات الخطر بهذا الوضوح، وإذا كانت الحشود العسكرية، والتحركات، والخطابات، والتهديدات معلومة لدى عدد من الفاعلين، فلماذا لم تُتخذ إجراءات استباقية تمنع الانفجار؟ هل كان السبب نقص المعلومات؟ أم سوء تقدير للموقف؟ أم الخشية من أن يؤدي التحرك المبكر إلى الصدام ؟ أم أن موازين القوى داخل الدولة كانت جميعها مشتركة في المخطط بدرجات متفاوتة، لأقصاء طرف بعينه؟ هذه أسئلة لا ينبغي أن تُطرح لتبادل الاتهامات، وإنما لفهم آليات اتخاذ القرار في أخطر أزمة واجهتها الدولة السودانية منذ استقلالها.
هنا يكمن أحد أخطر دروس هذه الرواية، فربما كان الطرف الذي خُطِّط لاستبعاده أذكى من أن يكون مجرد ضحية، فقرأ المخطط من داخله، واستخدم أدواته وخبراته لإفشاله وقلبه على أصحابه. والمفارقة أن من ظنوه الحلقة الأضعف، ربما كان الأكثر معرفة بقواعد اللعبة ،لذلك كانت المشكلة، في سوء تقدير الخصم وسوء قراءة الملعب.
وتفتح إفادات مناوي سؤالًا أخطر: ماذا كانت القوى السياسية تعرف قبل الحرب، ومن قرأ إشاراتها، ومن أخطأ تقديرها، ومن آثر الصمت أو الانتظار؟ هذه أسئلة تجيب عنها الروايات إلى جانب الوثائق والشهادات. فالقيمة الحقيقية لحديث الرجل أنه ينقل النقاش من كيف اندلعت الحرب؟ إلى كيف أُعيد تشكيل المشهد قبل اندلاعها. إذ إن الحرب قد تبدأ برصاصة، لكنها تُمهَّد لها طويلًا في غرف السياسة والتحالفات وحسابات النفوذ.
وإذا كانت شهادة مني أركو مناوي قد ألقت الضوء على الفصل الأخير الذي سبق اندلاع الحرب، فإنها تفتح، في الوقت نفسه، بابًا لإعادة قراءة المرحلة الانتقالية بأكملها. فمنذ سقوط نظام الرئيس عمر البشير في عام 2019، ظلت تتردد في الأوساط السياسية والأمنية روايات عن وجود وثائق وتقارير وشهادات تتناول تفاصيل ما كان يجري في تلك الفترة، بدءًا من اعتصام القيادة العامة، مرورًا بالترتيبات السياسية التي أعقبتها، ووصولًا إلى ما قبل اندلاع الحرب. وإذا كانت مثل هذه الوثائق موجودة، فإن مكانها الطبيعي، لجان التحقيق الوطنية المستقلة، لأنها وحدها القادرة على التحقق من صحتها وربطها بسياقها الظرفي و التاريخي.
ومن هذه الزاوية، تعود ملفات المرحلة الانتقالية إلى الواجهة: المبادرات والوساطات الدولية، وبعثة الأمم المتحدة، والحراك السياسي ، وصولًا إلى مشروع دستور نقابة المحامين والاتفاق الإطاري. والسؤال هنا: هل كانت هذه المسارات مجرد محاولات لتسوية الأزمة، أم أنها ــ عن قصد أو بحكم تلاقي المصالح ــ شكّلت جزءًا من التحضير للمرحلة التي كان يُراد أن تلي الاستيلاء على السلطة وإعادة تشكيل الدولة ؟ سؤال لا تجيب عنه الانطباعات، بل الوثائق ومحاضر الاجتماعات وشهادات الفاعلين.
ولذلك، بحسب #وجه_الحقيقة، لا ينبغي أن تبدأ كتابة تاريخ الحرب من 15 أبريل، بل مما سبقه، فالحقيقة لا تبدأ عند الطلقة الأولى، بل عند ما كان يُدبَّر قبلها. وإذا كانت شهادة مناوي قد فتحت هذا الباب، فإن مسؤولية الدولة تحويل الروايات إلى وثائق والأسئلة إلى تحقيقات. ووصف فولكر تورك، مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الحرب بأنها تخاض بالوكالة طمعا في موارد البلاد ، يجعل الصراع أبعد من مجرد مواجهة على السلطة، ويفتح على حقيقة محاولة اختطاف الدولة وقرارها ومواردها. إن فهم ما قبل الطلقة الأولى هو الفهم الصحيح لحمايةٌ مستقبل البلاد.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 9 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com
#ما_قبل_الطلقة_الأولى #السودان #الحرب_في_السودان #شهادة_مناوي #اختطاف_الدولة #جذور_الحرب #15_أبريل #تاريخ_الحرب #الحقيقة_والتحقيق #إبراهيم_شقلاوي