*رؤى واصله عباس ٠٠هل تُسجل حكومة الخرطوم «أهداف التعافي» أم تكتفي بتاريخ الصمود*

 

متابعات: اللحظة نيوز

​تجولت في الخرطوم اليوم بعد غيابٍ فرضته الظروف استمر لأربعة أعوام كاملة؛ أربعة أعوام كانت كفيلة بأن تتغير فيها ملامح العاصمة، لكنني وجدتها اليوم تقاوم، وتتنفس الصعداء، وتنهض ببطء، وبثبات من بين ركام القسوة والخراب.
​كان المشهد على امتداد الطريق من الفتيحاب إلى أحياء الخرطوم جنوب، وصولاً إلى الصحافات ، يحكي قصة مدينة جرت محاولات مستميتة لطمس معالمها وسلب روحها. غير أن ما لمسته ميدانياً يقطع بوجود إصرار عصيٍّ على الانكسار، عزيمة شعبية ورسمية تتكسر عليها كل الأسوار والجدران التي وُضعت للحيلولة دون نهوض هذه المدينة العريقة. ليضخ ​شريان الحياة في اوردتها بدماء العودة المبشرة.
هنا ​بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى أوردة الخرطوم، محال تجارية تُعيد فتح أبوابها، وحركة المارة تعود لتتنفس الشوارع روائح زوارها، وبيوت تُشرع أبوابها للأمل بعد طول إغلاق ودمار . هنا كانت العودة تتجلى في صور متعددة من التحدي، من خلال مشاهد تتفاوت، ففي “الميناء البري”، ذلك الشريان الحيوي الذي كان يكتظ بالحياة، تقف الشواهد على حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية من زجاج محطم وطاولات مبعثرة في الممرات، لكن حلم العودة يعود بصورة أجمل وأبهى هو ما يسكن القلوب الآن، وأصوات ابواق البصات السفرية التي تعزف الحان تعرفها الآذان منذ ازمان بعيد، اشعرتني بالأمان وتسللت الفرحة الي نفسي،
​وفي “السوق العربي”، وعلى الرغم من حجم الأضرار لم تطل البنية الأساسية كلياً، إلا أن المشهد الأكثر إيلاماً يكمن في الهياكل والأكشاك المحطمة عند المدخل، والتي بمثابة البيئة المناسبة لاوكار الجريمة والفساد،، مما يتطلب إزالتها بصورة عاجلة، وإعادة تدويرها ، والاستفادة منها في اشياء أخرى، لانه ​ليس المطلوب هو إعادة إنتاج العشوائية.
​إن الحقيقة التي يجب ألا نتغاضى عنها هي أن الخرطوم وهي تحاول النهوض، يجب ألا تعود إلى ذات الممارسات والتجاوزات التي كانت تشوهها قبل الحرب، وتقعدها عن اللحاق بركب العواصم الحضارية، لأن الخراب لا ينبغي أن يُعيد إنتاج نفسه في صورة عشوائيات ورواكيب وباعة جائلين يفتقرون للترتيب والسلوك الحضاري.
​وهنا تقع المسؤولية المباشرة على حكومة ولاية الخرطوم. بضرورة إنارة كل الأسواق بالطاقة الشمسية وبذلك يأتي الأمن والأمان والاستقرار في ربوع بلادي ؟.
وفي هذا الصدد، لا بد من تسجيل كلمة إشادة وتقدير بحكومة الولاية، وعلى رأسها واليها الهمام الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وأركان سلمه الذين ظلوا في قلب الميدان وصمدوا أمام عواصف التحديات طوال الفترة الماضية.
​غير أن مرحلة “التعافي والإعمار” تتطلب انتقالة نوعية في منهج الإدارة والضبط، وعلينا أن نعلم أن الحل الناجع والمخرج الحقيقي يستند إلى المحاور الأساسية التالية:
​ *تفعيل مفهوم “المسؤولية المجتمعية”:*
التعافي ليس مسؤولية الجهاز التنفيذي وحده؛ بل يجب أن يشترك فيه جميع المنتفعين من خدمات العاصمة. من التجار، والعمال وأصحاب المحال، وسائقي المركبات، والمواطنين، مطالبون اليوم بأن يكون كل منهم حارساً لنظافة وتنظيم محيطه. بالقوانين إن لم تنجح الحس الوطني والمسئولية، ويمكن أيضا ان يتم تنظيم حملات النظافة وإعادة تنظيم الأسواق مثل موقف السوق العربي يمكن أن تُلزم بها الجهات الاستثمارية والتجارية المنتفعة بتغطية تكاليفها على أن يقوم العمال المختصون بتنفيذها، وبذلك وتُضمن استدامتها.

​ *الضبط الأمني والحصر والرقابة على الهوية:*
لقد علمتنا الأزمة الأخيرة دروساً قاسية بشأن الهشاشة الأمنية، لذا أصبح من الضروري واللازم تفعيل القوانين واللوائح التنظيمية، عبر المؤسسات الأمنية وإلزام كافة المؤسسات والمحال التجارية بتسجيل وحصر بيانات جميع العاملين لديهم، وحظر تشغيل أي شخص لا يحمل هوية رسمية موثقة. وفي ذلك محاربة للظواهر السالبة ومنع التسول الذي اوردنا التهلكة، وبذلك تتكسر شبكات الهشاشة الاجتماعية ونضمن محاصرتها وتضييق الخناق عليها حتى تزول، لان ذلك يُعد أولوية أمنية قبل أن تكون تنموية.

​ *إنهاء التشوهات وإعادة الهيبة للشعار الحضاري:*
من المؤسف جداً أن نلمح من جديد مظاهر التردي مثل انتشار أطفال “السيليسيون” أو انتشار الرواكيب العشوائية في قارعة الطريق. إن الخرطوم التي نسمع عنها في تاريخها الناصع كانت تُغسل وتُعطر، ونحن نريد عاصمة نظيفة تليق بالكرامة الوطنية وتضاهي العواصم العالمية.
​ *ختاماً*
​العودة أحمد، وروح التفاؤل هي المحرك الأساسي للمرحلة المقبلة، لكن العاطفة وحدها لا تبني المدن.
إن استدامة الاستقرار وإعادة بناء الخرطوم تقتضيان الحزم في تطبيق القانون، وتفعيل لوائح الضبط الإداري والأمني، ورفع قيمة المسؤولية المجتمعية لتصبح سلوكاً يومياً مُلتَزماً به من الجميع. الخرطوم قادرة على النهوض، ولكن بشرط أن نلتقي جميعاً عند مستوى هذا التحدي. فهل تحرز حكومة الخرطوم بعد تجديد الثقة الأهداف المؤدية للفوز في إعمار الخرطوم..؟

Exit mobile version