
تأتي واشنطن بمقترحها الطارئ في مجلس الأمن الدولي لفرض حظر الطيران في السودان في توقيت لا يمكن وصفه بأنه صدفة، بعد التقدمات الميدانية التي حققتها القوات المسلحة في محاور كردفان وزحفها نحو دارفور، يظهر المقترح الأمريكي وكأنه محاولة لفرملة الانتصارات تحت عباءة “حماية المدنيين” لقد صمت المجتمع الدولي طويلاً أمام انتهاكات المليشيا الموثقة بالمسيرات واستهدافها المتعمد للمدنيين في الأبيض وأم درمان والجزيرة، وصمت عن قصف الأسواق والمستشفيات وتدمير البنية التحتية ومؤسسات الدولة في ولايات السودان المختلفة، فأين كان مجلس الأمن حينها وأين كانت دعوات حماية المدنيين؟ اليوم وبعد أن بدأت موازين المعركة تميل، تتحرك القوى الدولية بكل ثقلها لتطالب بحظر جوي سيشل يد الجيش ويمنع الحسم العسكري ويطيل أمد الحرب. إن التاريخ يعلمنا أن حظر الطيران في السودان لم يكن يوماً أداة إنسانية محايدة، بل كان دائماً أداة سياسية لإعادة ترتيب المشهد لصالح أطراف بعينها والسودان يواجه تمرداً مسلحاً ومخططات خارجية مدعومة بالمرتزقة وجد نفسه فجأة أمام مشروع قرار دولي يعاقب الضحية ويجمد المعتدي في مكانه إن أي حديث عن حماية المدنيين يبدأ بإدانة من يقتلهم بالمسيرات ويستهدفهم في بيوتهم، لا بمعاقبة الدولة التي تحاول بسط سيطرتها وحماية مواطنيها على مجلس الأمن أن يختار: إما أن يكون منحازاً لدماء السودانيين جميعاً فيدين الجميع ويحاسب الجميع، أو أن يكون شريكاً في إطالة أمد هذه الحرب بحجج إنسانية فقدت مصداقيتها.