
متابعات: اللحظة نيوز
في قريتنا كانت هناك جماعة أطلق عليها الناس، بسخرية ماتعة ، اسم “لجنة عدم النصيحة” . لم تكن تنصح أحدًا، ولم تكن تملك وصفة سحرية لحل الخصومات. كانت فكرتها أبسط وأكثر دهاءً: إذا وصلتها خصومة بين طرفين، أصبح الطرفان مسؤولين عن إطعام اللجنة ونثرياتها كاملة طوال فترة النزاع. وكلما طال الخلاف، زاد الصرف، وأصبح استمرار الخصومة أكثر كلفة. وهكذا كانت اللجنة، من دون أن تقول للمتخاصمين “تصالحوا” ، تجعلهم يكتشفون بأنفسهم أن الصلح أقل تكلفة من العناد.
قد تبدو الحكاية طريفة، لكنها تحمل منطقًا اجتماعيًا يصلح لأن يكون مدخلًا لسؤال أكبر في بلادنا اليوم: كيف نجعل الكراهية مكلفة، والحوار ممكنًا؟
الحوار السوداني – السوداني لا ينبغي أن يكون اجتماعًا سياسيًا آخر تتبادل فيه النخب المواقف، ثم تنتهي الجلسات إلى بيانات. قيمته الحقيقية أن يكسر الاستقطاب، ويعيد بناء الثقة، ويفتح باب التعايش بين الجميع، ويضع السودان على طريق السلام وإعادة بناء الدولة والانتخابات. فنجاحه لا يقاس بعدد الجالسين حول الطاولة، بل بقدرته على نقل السودانيين من منطق الخصومة إلى شراكة وطنية تسع الجميع.
وهنا يصبح خطاب الكراهية خطرًا مباشرًا على الحوار . فلا يمكن أن تطلب من السودانيين أن يجلسوا إلى طاولة واحدة، بينما تواصل المنصات السياسية والإعلامية والاجتماعية إنتاج لغة تجعل بعضهم في عداء متجدد ، أو تنزع عن فئة سودانية حقها في الانتماء الوطني، أو تحول الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية مفتوحة بلا سقف.
لذلك تكتسب دعوة وزارة العدل للمؤتمر الصحفي المرتقب اليوم حول قرارات تهيئة البيئة للحوار أهمية خاصة. فالضمانات القانونية والسياسية والأمنية للمشاركين ضرورية لبناء الثقة، لكن تهيئة البيئة للحوار ينبغي أن تكون أوسع من حماية المشاركين، ينبغي أن تشمل بيئة الخطاب العام. وإذا كان المؤتمر سيضع إطارًا قانونيًا لتهيئة المناخ، فإن من المهم أن يفتح بوضوح ملف التشريع المناهض لخطاب الكراهية، ضمن قانون عادل يميز بين حرية الرأي والتحريض على العنف والتمييز السلبي بكل اشكاله.
فالدولة لا ينبغي أن تكون شرطيًا على الأفكار، لكنها لا تستطيع أيضًا أن تقف متفرجة حين تتحول الكلمات إلى أدوات تعبئة للعنف. مسؤوليتها أن تحمي حرية التعبير، وفي الوقت نفسه تحمي المجتمع من التحريض الذي يهدد السلم الأهلي ووحدة الدولة. لذلك المطلوب تشريع عام وواضح يسري على الجميع، وتطبيق صارم لا يخضع للمزاج أو التقدير السياسي.
وهنا تلتقي السياسة بالفلسفة، فكارل بوبر، أحد أبرز فلاسفة الفكر السياسي، يذكّرنا بأن التسامح بلا حدود قد يمنح الكراهية فرصة لهدم المجتمع المتسامح. أما يورغن هابرماس، فيجعل الحوار والتواصل العقلاني أساسًا لإدارة الاختلاف وبناء الرأي العام. وبين الفكرتين تتضح حاجتنا السودانية: لا يمكن أن نفتح باب الحوار ونترك خطاب الكراهية مفتوحًا في الوقت نفسه. فالحوار يحتاج إلى بيئة تحمي الاختلاف، والقانون يحتاج إلى أن يحاصر التحريض، والمجتمع يحتاج إلى أن يستعيد قدرته على التعايش.
وبهذا المعنى، فإن محاربة خطاب الكراهية ليست قضية تخص وزارة العدل وحدها، ولا الإعلام وحده، ولا النخب السياسية وحدها. إنها مشروع وطني متكامل. فالتشريع يضع الحدود، والدولة تضمن التطبيق العادل، والإعلام يرفض تحويل التحريض إلى مادة للتداول ، والنخب السياسية تتخلى عن استثمار الانقسام، والمجتمع يضع للكراهية كلفة أخلاقية واجتماعية.
وهنا تعود “لجنة عدم النصيحة” إلى المشهد، فقد كانت تجعل استمرار الخصومة مكلفًا، حتى يكتشف المتخاصمون ،قيمة الصلح والتعايش داخل مجتمع القرية الذي تحكمه روابط إنسانية واجتماعية. والسودان اليوم يحتاج إلى الفكرة ذاتها بصورة ديمقراطية: أن يصبح خطاب الكراهية مكلفًا بالقانون، من دون المساس بحرية الرأي والتعبير، وأن ندفع الناس إلى الحوار والتعايش بدل أن نترك الكراهية تقودهم إلى مزيد من الانقسام.
اليوم لا تتمثل معركتنا في إنهاء الحرب فقط ، بل في منع عودتها بأدوات جديدة. فقد تصمت البنادق، لكن خطاب الكراهية قد ينقل الحرب إلى الإعلام والمنصات الإلكترونية والمنابر، ثم إلى المجتمع والأجيال القادمة. وهنا تقع مسؤولية الإعلام والنخب والمجتمع في تجفيف منابع التحريض، وترسيخ ثقافة الاختلاف والتعايش ،لأن بناء السلام لا يبدأ فقط بإسكات الرصاص، بل أيضًا بإصلاح اللغة التي أنتجته.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن معركة بلادنا اليوم ليست إعادة بناء المدن والمؤسسات وحدها، بل إعادة بناء الوجدان الوطني. وهذا يبدأ بقانون يردع خطاب الكراهية، وإعلام لا يحوّل الانقسام إلى وقود، ونخب تدير الاختلاف بحكمة، ومجتمع يستعيد ثقافة التعايش والمصالحة. وكما جعلت “لجنة عدم النصيحة” الخصومة مكلفة حتى يختار أصحابها الصلح، علينا اليوم أن نجعل الكراهية مكلفة، والحوار أقل كلفة. فالحرب قد تنتهي في الميدان، لكن الدولة لن تستقر ما لم تنتهِ أيضًا في الخطاب والوعي.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 م. Shglawi55@gmail.com
#لجنة_عدم_النصيحة #الحوار_السوداني #الحوار_السوداني_السوداني #خطاب_الكراهية #تهيئة_بيئة_الحوار #السلام_والتعايش #السلم_الأهلي #حرية_الرأي_والتعبير #إعادة_بناء_الوجدان_الوطني #السودان #إبراهيم_شقلاوي