
متابعات: اللحظة نيوز
ملتقى الإعلاميين السودانيين الأول في الخرطوم الذي اختتم أعماله الخميس ، أثار جدلًا واسعًا بين إصلاح المهنة وإعادة ترتيب العلاقة بين الإعلام والسلطة. حيث عبرت القاءات مع قيادات الدولة، خصوصاً مدير جهاز المخابرات، عن هذا الجدل بوضوح ، فالأمن يحرس ما قد يهدد المجتمع، والصحافة تكشف ما ينبغي أن يعرفه المجتمع. وبين واجب الحماية وحق المعرفة تبدأ حدود السلطة على المعلومة، وحدود مسؤولية “صاحبة الجلالة” حسب التعريف الأوروبي الذي وصفها لاحقًا بالسلطة الرابعة.
فكرة الملتقى تستحق الإشادة، لكن من المهم، ان ألا تبقى مناسبة احتفالية. المطلوب لقاءات منتظمة تتيح نقداً صريحاً، يعزز المهنية، ويعيد بناء الثقة، لا انعقاد لتبادل المجاملات أو تمرير الرسائل في اتجاه واحد. فالسودان بعد الحرب يحتاج إلى مؤسسات تتكامل ولا تتطابق، أمن يحمي دون وصاية، وإعلام يمارس حقه في النقد دون خصومة، وعلاقة ناضجة تجعل اختلاف الوظائف مصدر قوة لا مدخلاً للصدام.
حديث الرئيس البرهان وضع الإطار السياسي العام للدولة فيما يتعلق بالحوار السوداني و التحول الديمقراطي، انتخابات، تمسك بالسيادة والثوابت الوطنية. ورئيس الوزراء وضع في كلمته عناوين مرحلة التعافي من السلام وإعادة الإعمار إلى الاستشفاء الوطني وإصلاح الخدمة المدنية. ومكافحة الفساد. أما مفضل، فقد اقترب من المنطقة التي يلتقي فيها الأمن بالمجتمع والإعلام والاقتصاد. وهنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يهمنا: كيف ننتقل من علاقة تحكمها الضرورة الأمنية إلى علاقة تحكمها المؤسسية؟
فالمخابرات في الدولة التي نريدها ليست خصماً للصحافة، ولا الصحافة خصماً لها، الأولى ترصد ما يهدد المجتمع، والثانية تكشف ما قد لا تراه الحكومة. والخطر يبدأ حين يتمدد الأمن السياسي على حساب الأمن القومي، أو تتحول حرية الصحافة إلى انفلات يفقدها مسؤوليتها تجاه الدولة.
لذلك ينبغي التفريق بين ثلاثة أشياء كثيراً ما تختلط لدي البعض، الأمن القومي، والأمن السياسي، وأمن السلطة. الأول يتعلق ببقاء الدولة ووحدتها وسيادتها وسلامة مجتمعها، والثاني يتعلق بالصراع على السلطة وموازين القوى، والثالث يتعلق بحماية الحاكم أو الحكومة من النقد. الدولة الناضجة تحمي أمنها القومي، لكنها لا يجوز أن تجعل كل نقد سياسياً تهديداً أمنياً.
في المقابل فإن حرية الصحافة ليست مدخل لإضعاف الدولة. هناك معلومات قد يؤدي نشرها إلى كشف تحركات عسكرية أو تعريض حياة أشخاص للخطر أو الإضرار بعملية أمنية ، وهذه مسائل لها مقتضياتها المهنية. لكن ذلك يختلف عن استخدام الأمن كذريعة لحجب الفشل أو حماية المسؤول من المساءلة. السرية تحمي ما يجب أن يبقى سرياً، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب ما يحق للمجتمع أن يعرفه.
كشفت الحرب أيضاً أن أمن الدولة لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بحماية الرأي العام من التضليل، فيما يظل الإعلام جزءاً من قدرة المجتمع على الصمود وفهم الأحداث. لذلك فالمصلحة المشتركة بين المخابرات والصحافة ليست في تطابق الأدوار، بل في تكاملها: الأمن يحمي الدولة، والإعلام يحمي وعي المجتمع من التضليل، وباختلاف الوظائف يكتمل الدور الوطني.
اللافت في حديث مدير المخابرات إشارته إلى الفتق الذي أصاب النسيج الاجتماعي بفعل تداعيات الحرب، وما استدعى ذلك من قرار بترفيع إدارة الأمن المجتمعي إلى هيئة، وهي خطوة جيدة تعكس انتقالاً إلى التعامل مع المهدد الاجتماعي كأولوية تستحق معالجة عاجلة. وهنا يجب أن يبرز دور الإعلام كجزء من هذه المعالجة، باعتباره مؤسسة قادرة على مخاطبة الوعي، وحماية المجتمع، ومقاومة خطاب الكراهية.
ولا ينبغي تصعيد الجدل ، حول أسماء حضرت وأخرى غابت، كما لا يمكن تجاهل دور الاتحاد العام للصحفيين ، بوصفه الجهة المهنية الشرعية. لكن يبقى السؤال المهم : هل أحاطت الدعوة بكل القاعدة المهنية، أم شابها انتقاء وتميز لم تتضح معاييره؟ فملتقى يحمل اسم “الإعلاميين السودانيين” ويفتح الحديث عن مرحلة جديدة من الانتقال، كان الأولى أن يتسع لكل الإعلاميين، ولا يُستثنى منهم إلا من أقعدته الظروف، فالمطلوب في مثل هذه الملتقيات ، عدالة المشاركة وشفافية الاختيار حتي و لو عبر الإعلان.
لذلك فإن نجاح ملتقى الإعلاميين لا يقاس بعدد الكلمات التي ألقيت فيه، ولا بحجم الحضور الرسمي، وإنما بما إذا كان قادراً على تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والصحافة. علاقة لا تقوم على الشك المتبادل، ولا على التبعية، ولا على الصدام، وإنما على قاعدة بسيطة: الدولة تحمي الوطن، والإعلام يحمي حق المواطن في الحقيقة، وكلاهما يخضع للقانون.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن المخابرات وصاحبة الجلالة ليستا خصمين، لكنهما ليستا طرفاً واحداً في المعادلة. الأمن بلا حدود حاكمة، يتحول إلى وصاية، والإعلام بلا مسؤولية يتحول إلى فوضى، وكلاهما يضر بالدولة. لذلك فإن ما بعد هذا الملتقى أهم من الملتقى : إما أن نؤسس علاقة تحكمها المؤسسات والقانون، أو نعيد إنتاج علاقة الأشخاص والانتقاء والاحتواء. المخابرات أمان الدولة، والصحافة عينها ، الأولى تحمي، والثانية تراقب. وحين يعرف كل طرف حدوده، يصبح المنتوج حماية للدولة لا تهديداً لها، ويصبح الإعلام شريكاً في البناء لا تابعاً للسلطة ولا خصماً للوطن.
دمتم بخير وعافية.
السبت 12 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
#المخابرات_وصاحبة_الجلالة #الإعلام_السوداني #حرية_الصحافة #الأمن_القومي #الإعلام_والدولة #الإعلام_التنموي #إصلاح_الإعلام #المهنية_الصحفية #السودان_بعد_الحرب #إبراهيم_شقلاوي