*رئيس رابطة الإعلاميين السودانيين بالسعودية يستعرض قراءة استراتيجية لملتقى الإعلاميين السودانيين وموقعه في سياق المرحلة الوطنية*

 

متابعات: اللحظة نيوز

• عوض عمر: الإعلام السوداني أمام استحقاق الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الوعي وبناء الدولة

استعرض الأستاذ عوض أحمد عمر، رئيس رابطة الإعلاميين السودانيين بالمملكة العربية السعودية، قراءة استراتيجية لملتقى الإعلاميين السودانيين، تناول فيها موقع الملتقى في سياق المرحلة الوطنية الراهنة، وما طرحه من قضايا تتصل بواقع الإعلام السوداني خلال الحرب، ودوره المنتظر في مرحلة الحوار وإعادة بناء الدولة والمجتمع.
وتوقفت القراءة عند عدد من القضايا الجوهرية، من بينها أهمية توقيت الملتقى، ووضوح أهدافه الاستراتيجية، وطبيعة التمثيل الإعلامي، وأزمة الوسيلة والرسالة، إلى جانب ضرورة الانتقال من إعلام رد الفعل إلى إعلام المبادرة، وتطوير الدور الداخلي والخارجي للإعلام السوداني.
وجاءت هذه القراءة، التي تستحق أن تكون محل نقاش مهني ووطني واسع لما تطرحه من قضايا تتجاوز تقييم الملتقى إلى مستقبل الإعلام السوداني ووظيفته في المرحلة المقبلة، على النحو التالي:
• المدخل
انعقد ملتقى الإعلاميين السودانيين في لحظة شديدة التعقيد من تاريخ البلاد، حيث تتقاطع الحرب مع محاولات استعادة مؤسسات الدولة، وإعادة ترتيب المجال السياسي، والتهيئة لمسارات الحوار، إلى جانب صراع واسع حول المعلومة وتفسير الأحداث وتشكيل الصورة والوعي داخلياً وخارجياً.
ومن هنا، فإن تقييم الملتقى لا ينبغي أن يقتصر على ما دار في جلساته، أو على حجم المشاركة والحضور الرسمي، بل يجب أن ينطلق من موقعه في سياق هذه المرحلة الوطنية، ومن طبيعة القضايا التي تناولها، ومدى ملامسة مخرجاته للتحديات الكبرى التي تواجه الإعلام السوداني.
وتكمن القيمة الحقيقية للملتقى في كونه أتاح فرصة لإعادة فتح النقاش حول واقع الإعلام بعد سنوات الحرب، وحول الدور المنتظر منه في مرحلة الانتقال من المواجهة إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع.
• أولاً: الملتقى في سياقه السياسي والوطني
جاء الملتقى في وقت تزامن مع حراك سياسي يرتبط بالحوار السوداني–السوداني، وبمناقشة ترتيبات المرحلة المقبلة.
ورغم أن الملتقى لم يُعلن، بحسب ما توفر، باعتباره جزءاً تنظيمياً مباشراً من آليات الحوار، إلا أن توقيته والخطاب السياسي الذي صاحبه وضعاه عملياً داخل مناخ التهيئة السياسية الأوسع.
كما أن حديث رئيس الوزراء عن أن الإعلاميين شركاء في الحوار منح الملتقى بعداً سياسياً ووطنياً يتجاوز الطابع المهني البحت.
ومن هذه الزاوية، كان الملتقى فرصة مناسبة لمناقشة وظيفة الإعلام في الحوار الوطني، وفي تهيئة الرأي العام، ونقل النقاش السياسي من دوائر النخب إلى المجتمع الأوسع.
• ثانياً: أهمية انعقاد الملتقى
جاءت أهمية الملتقى من توقيته قبل أي شيء آخر.
فالإعلام السوداني خرج من سنوات الحرب مثقلاً بخسائر كبيرة في المؤسسات والكوادر والموارد، في الوقت الذي ازداد فيه تأثير المنصات الرقمية، وتصاعدت حملات التضليل، وتراجعت قدرة المؤسسات التقليدية على قيادة المجال العام.
لذلك مثّل انعقاد الملتقى فرصة لجمع الإعلاميين، ومناقشة المشكلات بصورة مباشرة، وربطها بمستقبل المهنة والدولة.
لكن أهمية الانعقاد وحدها لا تكفي، فالتقييم الحقيقي يجب أن ينظر إلى حجم ما تحقق من وضوح في الرؤية، وعمق في التشخيص، وقابلية المخرجات للتحول إلى سياسات وبرامج عمل.
• ثالثاً: الجهة المنظمة والهدف الاستراتيجي
من القضايا التي تستحق التوقف عندها في تقييم الملتقى مسألة وضوح الجهة المنظمة والراعية، والهدف الاستراتيجي الذي انعقد من أجله.
ففي مثل هذه الفعاليات، كلما كان الإطار التنظيمي واضحاً، كانت المخرجات أكثر قوة ومصداقية.
وكان من المهم أن يكون واضحاً منذ البداية ما إذا كان الهدف الأساسي هو إعادة بناء القطاع الإعلامي، أو وضع رؤية للإعلام بعد الحرب، أو دعم مسار الحوار، أو تطوير الاتصال الحكومي، أو معالجة صورة السودان في الخارج.
وتعدد الأهداف ليس مشكلة في حد ذاته، لكن الإشكال يظهر عندما لا يكون هناك هدف مركزي يجمع بينها ويوجهها ضمن رؤية واحدة.
• رابعاً: الدعوات والتمثيل الإعلامي
أثار الملتقى أيضاً مسألة طبيعة التمثيل الإعلامي، وما إذا كان قد جاء على أساس المؤسسات أم على أساس الأفراد.
وهذه نقطة مهمة، لأن المشهد الإعلامي السوداني لم يعد محصوراً في الصحف والقنوات والإذاعات التقليدية.
فهناك اليوم إعلاميون مستقلون، ومنصات رقمية، وصناع محتوى، وخبراء اتصال، وأكاديميون، وشخصيات ذات تأثير واسع خارج المؤسسات التقليدية.
ومن هنا، فإن أحد الدروس التي يمكن استخلاصها من الملتقى هو ضرورة أن تعكس مثل هذه الفعاليات مستقبلاً التنوع الحقيقي للمشهد الإعلامي، عبر الجمع بين التمثيل المؤسسي والمهني والخبراتي والرقمي.
• خامساً: تشخيص واقع الإعلام خلال الحرب
كان من الطبيعي أن يحتل واقع الإعلام خلال الحرب مساحة مهمة في النقاش.
فالحرب ألحقت أضراراً مباشرة بالبنية التحتية، وعطلت مؤسسات، ودفعت كثيراً من الصحفيين إلى الهجرة، وأضعفت الموارد والقدرة على الإنتاج.
لكن الأزمة لم تكن مادية فقط.
فقد كشفت الحرب أيضاً عن ضعف في منظومة الاتصال، وتأخر في توفير المعلومات، واتساع مساحة الشائعة، وازدياد الاستقطاب، وصعوبة التحقق، وتنامي التأثير الإعلامي للفاعلين غير الرسميين.
وهذا يعني أن إعادة بناء الإعلام لا يمكن أن تتوقف عند ترميم المقرات وشراء المعدات، فالمطلوب أعمق من ذلك بكثير.
• سادساً: أزمة الوسيلة أم أزمة الرسالة؟
واحدة من أهم القضايا التي كان ينبغي أن تكون في قلب النقاش هي أن أزمة الإعلام السوداني ليست أزمة وسيلة فقط، بل أزمة رسالة أيضاً.
قد تتوفر القنوات والاستوديوهات والتقنيات، لكن من دون مضمون واضح، ومصداقية عالية، وفهم دقيق للجمهور، تظل القدرة على التأثير محدودة.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة تعريف الرسالة الإعلامية نفسها: مضمونها، وجمهورها، وأولوياتها، وأسلوب تقديمها، ومدى قدرتها على مخاطبة مختلف شرائح المجتمع.
كما تحتاج إلى خطاب قادر على شرح القضايا المعقدة، ومواجهة الشائعة، ومخاطبة الشباب، وتقديم السودان ومواقفه وقضاياه إلى الخارج بصورة مهنية ومقنعة.
فالقوة الإعلامية في النهاية ليست في عدد الوسائل، بل في قدرة الرسالة على الوصول والإقناع والتأثير.
• سابعاً: من إعلام رد الفعل إلى إعلام المبادرة
من الدروس المهمة التي كشفتها الحرب أن الإعلام السوداني ظل، في كثير من الأحيان، يعمل بمنطق رد الفعل.
تنتشر المعلومة أو القراءة أولاً، ثم يأتي الرد لاحقاً، وهو نمط يضع الإعلام دائماً في موقع الدفاع.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال حقيقي نحو إعلام المبادرة؛ إعلام قادر على الرصد المبكر، والتحليل، وصناعة الأجندة، وإعداد الرسالة قبل وقوع الأزمة أو قبل أن تترسخ صورة ذهنية يصعب تغييرها لاحقاً.
وهذا التحول يحتاج إلى مراكز للرصد والتحليل، وقدرات مهنية جديدة، وتنسيق أفضل بين المؤسسات الإعلامية ومصادر المعلومات.
• ثامناً: الدور الداخلي للإعلام
داخلياً، يواجه الإعلام مهمة تتجاوز التغطية والتعبئة.
فالمطلوب هو الحفاظ على وعي المجتمع، وتحصينه من الشائعة والتضليل وخطاب الكراهية والاستقطاب.
كما أن الإعلام مسؤول عن بناء الثقة، وشرح السياسات، ونقل صوت المواطنين، ومراقبة الأداء العام.
وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق في ظل فراغ معلوماتي.
لذلك يرتبط إصلاح الإعلام مباشرة بإصلاح الاتصال الحكومي، وسرعة توفير المعلومة الرسمية، ودقتها، وإتاحتها في التوقيت المناسب.
• تاسعاً: الدور الخارجي وصورة السودان
من أكبر التحديات التي كان ينبغي أن تحظى باهتمام واسع في الملتقى مسألة الإعلام الخارجي.
فصورة السودان في الخارج لا تتشكل من الواقع وحده، بل أيضاً من الطريقة التي يُعرض بها هذا الواقع ويُفسر ويُقدم للرأي العام الدولي.
وعندما يغيب الحضور الإعلامي السوداني المنظم، تتولى جهات أخرى تفسير الأحداث وتشكيل الانطباعات عن السودان وفق رؤاها ومصالحها.
لذلك يحتاج السودان إلى منظومة اتصال خارجي محترفة، متعددة اللغات، قادرة على التعامل مع الصحافة الدولية، ومراكز الدراسات، والدوائر الدبلوماسية، وصناع القرار.
كما يحتاج إلى محتوى مهني يعرض الواقع السوداني بصورة متوازنة، ويقدم المجتمع والثقافة والاقتصاد وفرص إعادة الإعمار، حتى لا تظل صورة السودان في الخارج محصورة في الحرب والأزمات.
• عاشراً: الإعلام والحوار وما بعد الحرب
إن وجود الحديث عن الحوار السوداني ضمن المناخ العام للملتقى يجعل دور الإعلام في هذه المرحلة مهماً للغاية.
فالإعلام يمكن أن يسهم في تهيئة المجتمع للحوار، وتوسيع دائرة المشاركة، وتقليل الاستقطاب، وإدارة الاختلاف، ونقل صوت المواطنين إلى النقاش السياسي.
كما أن مرحلة ما بعد الحرب ستفرض وظائف إعلامية مختلفة عن وظائف الحرب.
وستنتقل الأولويات إلى إعادة الإعمار، وعودة النازحين، والمصالحة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والعدالة، وبناء الثقة.
وهنا يجب أن ينتقل الإعلام من منطق التعبئة إلى منطق بناء الدولة، ومن تغطية الأزمة إلى المساهمة في إدارة مرحلة التعافي وإعادة البناء.
• الحادي عشر: من مخرجات الملتقى إلى برنامج عمل
كان الملتقى فرصة مهمة، لكن القيمة الأكبر لمخرجاته تكمن في قدرتها على التحول إلى إطار عملي طويل المدى.
ومن أبرز ما كان يمكن أن يشكل مخرجاً استراتيجياً: وضع رؤية وطنية للإعلام، وتحديد أولويات إعادة بناء المؤسسات، وتطوير الاتصال الحكومي، وبناء استراتيجية للإعلام الخارجي، وإنشاء منظومة للرصد ومكافحة التضليل، ووضع برامج لتأهيل الإعلاميين وتطوير قدراتهم.
كما أن هذه المخرجات تحتاج إلى آليات متابعة واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، حتى تتحول التوصيات من عبارات عامة إلى برامج قابلة للتنفيذ.
• الخاتمة: من الملتقى إلى مشروع وطني للإعلام
كان ملتقى الإعلاميين السودانيين حدثاً مهماً لأنه أعاد فتح النقاش حول وظيفة الإعلام في مرحلة مصيرية من تاريخ البلاد.
لكن قيمته الحقيقية لن تُقاس بما قيل في جلساته فقط، بل بقدرته على تأسيس مسار جديد في التفكير في الإعلام السوداني، ووظيفته، وأدواته، وعلاقته بالدولة والمجتمع.
المطلوب اليوم ليس فقط إعادة المؤسسات إلى العمل، بل إعادة بناء الفكرة الإعلامية نفسها.
الانتقال من إعلام يلاحق الحدث إلى إعلام يصنع المبادرة.
ومن إعلام يركز على الوسيلة إلى إعلام يهتم بالرسالة.
ومن إعلام الحرب إلى إعلام الدولة.
ومن الخطاب الداخلي إلى حضور خارجي مؤثر.
ومن التوصيات إلى السياسات والبرامج.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الملتقى باعتباره نقطة انطلاق محتملة لمشروع وطني أوسع للإعلام والاتصال الاستراتيجي، شريطة أن تتحول مخرجاته إلى برامج تنفيذية واضحة، وأن ترتبط بما تمر به البلاد من حوار وإعادة إعمار وبناء للدولة.
فالإعلام في هذه المرحلة ليس قطاعاً هامشياً، بل أحد أدوات بناء الوعي، وتعزيز تماسك المجتمع، ودعم مؤسسات الدولة، وتشكيل صورة السودان في الداخل والخارج.

Exit mobile version