
متابعات: اللحظة نيوز
في مناخ يتسم بالسيولة الحادة والمهددات الوجودية التي تحيط بالدولة السودانية، يطرح فضاء الإعلام والسياسة فضيلة فرض الحوار الوطني كحتمية لا بديل عنها،ما يستوجب تجاوز التناول العاطفي أو التسويق الدعائي للمصطلح ومحاولة تفكيكه كمعادلة استراتيجية لها معايير علمية واجرائية يجب القياس عليها لاعتماد اي نموذج يسعي لهذه الغاية. إن أي حوار وطني حقيقي في ظل الأزمات المصيرية التي تعيشها بلادنا لا يُبنى على الأمنيات، بل يرتكز على حزمة من الواجبات الهيكلية التي تضمن له شرعيته وجدواه، وفي المقابل، تحاصره مجموعة من النواقض والمنقصات الموضوعية التي تحيله من أداة إنقاذ إلى كمين استراتيجي يكرس الأزمة ويقوض كيان الدولة والمجتمع .إن أولى واجبات فضيلة فرض الحوار الوطني هي تنشيط آليات التوليد الداخلي للحلول وضمان استقلالية إرادة مهندسي المشهد السياسي القائم لينتج عنه اساس يقوم عليه بناء السلام والتوافق ، تجلت هذه الفريضة بوضوح حسب ما تابعنا في إعلان مبادرة الخرطوم التي جاءت من مجموعة من السودانيين الوطنيين بتأسيس لجنة لتهيئة المناخ لحوار (سوداني – سوداني) ينطلق بالكامل من الداخل.ولتعزيز أهمية هذه الخطوة يجب علي هذه اللجنة الوليده ان تقيد وبشكل صارم حدود الفعل الخارجي، وحصر دور القوى الدولية في تقديم الدعم الفني واللوجستي المجرد، دون أي صلاحية بالتدخل في المضمون الموضوعي للحوار أو صياغة أجندته الوطنية وهو مسلك لو تمسكوا به سيمثل جدار صد متين وتطبيقاً عملياً لواجب عزل الإملاءات المسبقة وحماية القرار الوطني المستقل من القرصنة.وهنا يفرض واجب الحفاظ على اهداف الحوار التمسك الحازم بكل خيار وطني مستقل ومنح الأولوية المطلقة للمبادرات النابعة من الوجدان المحلي حتى وإن شابت بداياتها الهيكلية بعض الهنات التنظيمية أو الملاحظات الإجرائية إذ إن تحصين هذا المسار وتصويبه من الداخل يظل الخيار الأوحد لحماية مشروعية الحوار نفسه. وبناءا علي هذا المبدأ، فإن استدامة فاعلية هذه اللجنة ترتبط شرطياً بمدى قدرتها على التمترس في مربع التجرد المؤسسي الصارم، والتحرك بمسافة واحدة من كافة التعقيدات الميدانية، تلافياً للسقوط في فخ الاستقطاب السياسي. إن عبور هذه المنصة نحو بر الأمان يتطلب التزاماً قاطعاً بهندسة الشمول الكلي وتوسيع مصفوفة شروط الحوار لتستوعب المكونات الوطنية الحقيقية دون إقصاء أو عزل، وضمان سد كافة الثغرات والخطوط الارتدادية التي قد تستغلها المطابخ الخارجية لإجهاض هذا الجهد المخلص.
أما من ناحية نواقض الحوار فيبرز التحرك الموازي والمضاد الذي تقوده التكتلات والمحاور الخارجية كالرباعية والخماسية، والتي اتوقع انها ستسعى جاهدة عبر أدواتها لفرض معادلة جديدة وتجريد هذه المبادرة من أسباب الحياة والاستمرار لتظل هي بواجهاتها القديمة المتجددة الوحيدة التي لا غني عنها. إن محاولة فرض هذه الأطر الفوقية يُعد ناقضاً بنيوياً يسلب الحوار قيمته الأخلاقية والقانونية لانه يقوم علي التضليل ويعتمد على تقنية صناعة الإطار البديل، وتكتيكات صرف الانتباه لإنتاج تسويات هشة تضمن مصالح المحاور الخارجية وتفرض معادلات تفاوضية غير متناظرة يُجبر فيها المجتمع والدولة ومؤسساتها السيادية على التنازل تحت وطأة الإنهاك الإدراكي والاستنزاف المستمر، فخطورة الاستسلام للحوارات المنقوضة المستوردة تكمن في قدرتها على تخدير الإرادة الجمعية للشعب السوداني وتحويل مخرجات الحوار إلى وصفة جاهزة لتأسيس دولة ضعيفة ومستلبة الإرادة، لذلك ان تجاوز هذا التزييف المفهومي يتطلب التمسك بالمنهجية العلمية والوعي الاستراتيجي الصلب الذي يفرز بوضوح بين المنصات الوطنية الخالصة النابعة من وجدان الداخل وبين الترويج للمشاريع الدولية الموجهة.
ويمكن اجمال القول في هذا الأمر انه من الضرورة استعادة البوصلة الوطنية لانجاح هذا المسعي الحميد وتعرية النواقض التضليلية الراهنة ، ليبقى القرار الوطني مستقلاً، ولتظل الرؤية واضحة في مواجهة هندسة التسويات الهشة التي تسعى لقرصنة مستقبل الوطن.