*تأملات٠٠ جمال عنقرة حضن الوطن للجميع .. والحكومة لا تحضن أحدا*

كثيرون نظروا إلى مقالي “الحوار .. علي درب النكبات والنكسات السابقة” من زاويته الصحيحة، ووجدوا فيه أهداف قاصدة، وقراءة رشيدة، الا أن قلة قراته خارج سياقه، فذهبت مذاهب ما كان ينبغي عليها أن تذهب إليها لو أحسنت النظر. ووضعت الكلام في سياقه الطبيعي.

والمقال كان تعليقا علي منهج الحكومة في الحوار، واعتمدت مسالتين في ذلك، عملية “حضن الوطن” التي سعت الحكومة عبرها لاسترجاع بعض قادة المليشيا إلى حضن الوطن، والثانية عملية التهيئة للحوار التي ترعاها الحكومة علي استحياء، وهذه مسائل عليها خلاف كبير، اما مبدأ الحوار، فهذا مبدأ ثابت لا يستطيع احد أن يرفضه، الا اذا قصد منه غير مبتغاه المنشود، اما موقفي الشخصي من الحوار، وكسبي فيه، اقول من باب التحدث بنعمة الله تعالي، لا يستطيع احد كائن من كان من أهل السودان، أن يزايد علي شخصي الضعيف، في السعي في دروب الحوار لجمع الصف الوطني علي أسس ثابتة ومرتكزات قويمة، ويعلم الناس اني في سبعينيات القرن الماضي كنت أول شاب إسلامي فاعل يقبل بالمصالحة مع نظام مايو ودماء اخواننا شهداء انتفاضة الجمعة الثاني من يوليو عام ١٩٧٦م، لم تجف بعد، وعندما كان يهاجمنا طلاب الجبهة الديمقراطية في أركان النقاش في مصر، ويتهموننا بأننا خنا دماء الشهداء، فبينما كان زملاؤنا في الاتجاه االاسلامي يزعمون اننا قبل المصالحة للعمل علي إسقاط النظام من الداخل، كنت اقول اننا صالحنا وفاء لدماء اخواننا الشهداء، وحقنا لدماء كل أبناء الوطن. ويشهد كثيرون، انه لما استولت الحركة الإسلامية علي الحكم في يونيو ١٩٨٩م، سعيت من الايام الاولي لفتح النظام الجديد علي كل اهل السودان، وكانت البداية مسعي قدته للجمع بين الإنقاذ ونميري، واوشك الرئيس نميري علي العودة الىىالسودان، والانقاذ لم تزل في شهورها الثلاثة الاولي، الا أن أصحاب النظرة الامنية الضيقة افسدوا ذلك. وفي منتصف التسعينات قدت مع الشريف زين العابدين الهندي مبارة الحوار الشعبي الشامل، وهي التي فتحت باب الانفراج السياسي لأول مرة في عهد الإنقاذ، ولكنها لم تؤت أكلها كاملا بتأمر بعض السياسيين الانقاذيين مع بعض الامنيين، مع بعض رجال الشريف.

وبعد توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام، قدت دعوة جوار اهل السودان مع الاتحاد العام لنقابات عمال السودان، برعاية شيخ المشائخ الجاسر الجسور الشيخ الياقوت الشيخ محمد، الذي دعا إلى مائدة عامرة في مسيده المبارك لم يتخلف عنها أحد.

ولما احتد الخلاف خواتيم عهد الإنقاذ، وتباعد فرقاء السياسة المعارضين بين “تسقط بس” وبتقعد بس” قدنا مبادرة الطريق الثالث، وكان من أشهر قادتها السيد الحسن الميرغني والسفير إدريس سليمان، والشيخ عبد القادر محمد زين، والسفير علي يوسف، والفنان السيد علي مهدي نوري.

ولما سقطت الإنقاذ ولاحت علامات الفتن الداخلية والخارجية، جددنا مساعينا لجمع الصف الوطني مع شيخنا الياقوت، ونظمنا لقاء حاشدا في قاعة الصداقة، شارك فيه كل الذين كانوا في الداخل، وخاطبه من الخارج زعماء حركات الكفاح المسلح، جبريل ومناوي، وعبد الواحد محمد نور.

ولما صارت الحرب قاب قوسين أو ادني بين الجيش والدعم السريع، استجبت لدعوة قادة حركات الكفاح المسلح الوطنيين لوقف الحرب قبل أن تشتعل، وكان قد بادر في هذا المسعي، الفريق مالك عقار، والدكتور جبريل إبراهيم، والقائد مني اركو مناوي، والدكتور محمد عيسي عليو، وصرت خامسهم.

ولما اشتعلت الحرب في الخامس عشر من أبريل عام ٢٠٢٣م، واصلنا السعي لمحاصرة الحرب. ووسعنا دائرة الإنضمام لمبادرتنا، فشملت العشرات من أهل السودان الفاعلين من مختلف المكونات السياسية وغير السياسية.

ولما تمايزت الصفوف. وصارت المعركة إلى عدوان شامل علي كل السودان وأهله، وتاريخه، وحضارته، وحاضره ومستقبله، وثرواته وتراثه، سعيت إلى جمع كل شركاء معركة الكرامة مع القوات المسلحة السودانية، من كل المكونات السياسية والمجتمعية، واسسنا الجبهة الشعبية الوطنية، التي لم يسبق لها مثل، ولكنها وئدت في مهدها.

وتلك فقط بعض ملامح بسيطة لبعض مسيرتنا في درب الحوار لنحو نصف قرن من الزمان، والرأي عندي أن السودان لكل السودانيين، وأن الناس فيه سواسية كأسنان المشط، لا يفصل بينهم حزب ولا قبيلة ولا دين ولا ثقافة ولا جهة.

وكنت اول من جهر بأن الحوار يجب أن يكون مفتوحا، وشاملا، ومتاحا للجميع، وقلت أن الحوار لن ولا يجدي ما لم يشارك فيه الكيزان والقحاطة، وتبنيت دعوة القائد مناوي لان تضم مائدة طاولة الحوار فريقين، فريق يقوده البرهان ومعه كل شركاء معركة الكرامة بلا استثناء، وفريق يقده حميدتي ومعه كل حلفاء المليشيا.

ولكن يجب ان أؤكد انني لست محايدا في هذه المعركة، ولست وسيطا، فأنا مع الجيش قلبا وقالبا، نرابط معه، ونزود عنه، وعن الوطن الذي يستبسل دفاها عنه، ونقدي لمنهج حوار الحكومة من هذا المنطلق، فمطلوب الحوار مع الاخر ، ومع جميع المعارضين والمقاتلين، ولكن اول زاد لهذا الحوار هو توحيد الجبهة الداخلية، ومنهج الحكومة الحالي للحوار يضعف الجبهة الداخلية، وقد يشق صفها، ويبعثره.

ولا اعارض أن يعود معارضون إلى حضن الوطن، فحضن الوطن مفتوح للجميع، ولكن الحكومة ليس من حقها أن تحضن أحدا، ليس المعارضين وحدهم، ولكن حتى الذين يؤيدون الحكومة، ويقاتلون مع الجيش، ليس من حق الحكومة أن تحضنهم، وتقدم لهم ما لا تقدمه للاخرين

Exit mobile version