
متابعات: اللحظة نيوز
طالما أن السودان ما زال يرزح تحت آثار القبلية والطائفية والعنصرية، وهي مظاهر تنتمي إلى ما قبل اكتمال مفهوم الدولة الوطنية، وطالما أنه لم ينجح بعد في بناء نموذج اقتصادي يتناسب مع موارده وإمكاناته البشرية والطبيعية، وما زالت الديمقراطية تتعثر، والفساد يجد طريقه إلى مؤسسات الدولة، فإن الحاجة إلى الحكم الراشد تصبح ضرورة ملحة لإنصاف المواطن، وتحقيق العدالة والرفاه، وصون حقوق الإنسان.
فما دامت هذه الاختلالات مهيمنة على الحياة العامة، فإن معالجة أزمات السودان ستظل معرضة لأن تكون مؤقتة أو جزئية، وقد تؤدي الحلول التي لا تمس جذور الأزمة إلى إعادة إنتاجها بصورة أكثر تعقيدا، ودفع البلاد إلى أوضاع أشد صعوبة.
إن السودان لا يحتاج إلى معالجة نتائج أزماته فقط، بل إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة في تطوره الإنساني والسياسي والاقتصادي؛ مرحلة يصبح فيها المواطن أساس الدولة وغايتها، ويصبح القانون فوق الجميع، وتتحول السلطة من امتياز إلى مسؤولية، والتنمية من شعار إلى ممارسة، والاختلاف من مصدر للصراع إلى طاقة للبناء.
كما أن عدم التماسك الداخلي، وضعف الاستفادة من الموارد الوطنية، وسوء الفهم المتبادل مع المحيط الإقليمي والدولي، كلها عوامل يمكن أن تضعف قدرة السودان على حماية وحدته وتحقيق مصالحه. ولذلك فإن مسؤولية بناء السودان لا تقع على مؤسسة أو فئة بعينها، وإنما تتطلب توظيف جميع الطاقات والموارد والفعاليات في مشروع وطني جامع.
فالتماسك الداخلي، والتجانس الوطني القائم على احترام التنوع، والحس الوطني الرفيع، هي من أهم القوى التي تدفع التنمية إلى آفاق جديدة. ومن هنا يبدأ الانتقال من دولة تعالج أزماتها بصورة متكررة إلى دولة قادرة على صناعة مستقبلها، ومن مرحلة الدولة الوطنية المتعثرة إلى الانفتاح الواعي على عالم مترابط، تتحرر فيه الشعوب من السلاسل التي تعيق طاقاتها، وتصبح المعرفة والإنسان والتنمية أدوات حقيقية للارتقاء والتقدم.
السودان يملك الموارد والموقع والطاقات البشرية التي تؤهله لمكانة أكبر، لكن بلوغها يتطلب قبل كل شيء بناء الإنسان، وإصلاح الدولة، وترسيخ الحكم الراشد، وإطلاق طاقات المجتمع في مشروع وطني يتجاوز الانقسامات ويضع مصلحة السودان والمواطن فوق كل اعتبار.