
متابعات: اللحظة نيوز
غرّد الرئيس عبد الفتاح البرهان، الخميس، معلناً بعث رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكد فيها التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها واشنطن، واستعداد الحكومة للتعاون بنية صادقة لتحقيق سلام عادل ودائم يصون السيادة والوحدة وسلامة الأراضي وكرامة الشعب السوداني.
لكن دلالة الرسالة لا تقف عند مضمونها، بل تمتد إلى توقيتها وأبعادها السياسية والأمنية، بما يفتح الباب أمام قراءة سياقاتها الظرفية ، واستكشاف ما إذا كانت الخرطوم وواشنطن بصدد إعادة ترتيب حسابات العلاقة على قاعدة المصالح. وهي الاحتمالية التي يسعى المقال إلى تفكيك أبعادها.
ففي سبتمبر الماضي، كشفت تقارير صحفية، أبرزها رويترز، عن أزمة تأشيرة دخول البرهان إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط معلومات ربطت إصدارها بقبوله هدنة أمريكية مدتها تسعون يوماً. يومها، بدا الخلاف اختباراً لإرادة الخرطوم، وكشف عن توظيف الضغوط السياسية في التأثير على شروط إنهاء الحرب
لكن البرهان لم يكتفِ بمخاطبة واشنطن عبر القنوات الرسمية، فقد نشر مقالاً في مجلة “فورين بوليسي” يتزامن مع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر الماضي بعنوان “كيف يتحقق السلام في السودان؟” ، عرض فيه رؤية حكومته القائمة على تثبيت سلطة الدولة، وإنهاء وجود القوات المتمردة، وإتاحة المجال للسودانيين لتحديد مستقبلهم عبر مسار سياسي وانتخابات تشرف عليها جهات دولية.
تكمن أهمية المقال في أنه نقل الخلاف إلى ساحة الرأي العام الأمريكي، وطرح رواية الخرطوم بشأن الحرب وشروط السلام، بدلاً من ترك تعريف الأزمة ومآلاتها للمبادرات الخارجية. كما أن تزامنه مع اجتماعات الجمعية العامة، ثم رسالة البرهان إلى ترامب، يشير إلى مسعى سياسي لتوضيح موقف الحكومة وفتح مساحة للتواصل المباشر.
اليوم تأتي رسالة البرهان إلى ترامب، بالتزامن مع مشروع تنموي أمريكي يقترح شراكة اقتصادية في الزراعة والتعدين. وبين هذه التطورات، يبرز سؤال مهم، هل تعيد واشنطن النظر في أدوات تعاملها مع الخرطوم بعد أن اصطدمت حساباتها بتعقيدات الحرب وموازين القوى الجديدة، أم أنها تعيد إنتاج أهدافها السابقة بوسائل مختلفة ؟
لفهم هذه المعادلة ، ينبغي قراءة ما قبل الحرب وما بعدها، إذ راهنت دوائر أمريكية وغربية على قوى تصدرت المشهد الانتقالي، لكن تعثر الانتقال واندلاع الحرب كشفا حدود ذلك الرهان. وربما تدفع هذه التحولات واشنطن إلى مراجعة أدوات تأثيرها في السودان، دون أن يعني ذلك تخليها عن حلفائها السابقين بقدر ما يعكس براغماتية المصالح وتبدّل الحسابات.
ومن هذه الزاوية، قد تكون البراغماتية الأمريكية محاولة لاستعجال برنامج قديم متجدد، عبر التعامل مع مؤسسات قائمة وسلطة تملك أدوات فعلية لإدارة الدولة، مع توفير قدر من الانفتاح والإسناد الذي يمكن أن يعزز موقعها الخارجي، شريطة إحراز تقدم في الملفات الأمنية. فالدول الكبرى لا تعمل دائما بذات الأدوات لذلك قد تنتقل إلى التعامل مع موازين القوى القائمة، من دون أن تتخلى بالضرورة عن أهدافها.
لكن هذه القراءة تظل فرضية تحليلية، لا دليلاً على تفاهمات سرية أو تحول أمريكي محسوم. وما يعزز أهميتها هو مشروع القانون الذي قدمه النائب الأمريكي جيم بيرد في 13 أكتوبر الحالي ، مقترحاً شراكة توفر بموجبها الولايات المتحدة المعدات والتكنولوجيا والخبرات الزراعية والتعدينية، مقابل التعاون بشأن موارد سودانية تشمل الذهب والنفط واليورانيوم والنحاس ومعادن أخرى، إلى جانب الصمغ العربي.
المشروع بجانب التعاون الاقتصادي، يربط قيام الشراكة بتحقيق تقدم ملموس في حماية المدنيين والاستقرار السياسي والإدارة المسؤولة للموارد، ويشترط وجود سلطة حكم شرعية بقيادة مدنية. وقد أُحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، ولا يزال مشروعاً قيد النظر والإجازة. لكن بالعموم السودان قادر للوصول إلى هذه الاشتراطات.
هنا يلتقي المساران السياسي والاقتصادي، فبينما يطرح البرهان رؤيته للسلام والأمن وسيادة البلاد، يفتح أيضا ً باب التواصل مع ترامب، وربما ذلك يربط المشروع الاستثماري بشروط الاستقرار والحكم وإدارة الثروة. وهكذا قد يتحول الاقتصاد إلى أداة لإعادة تشكيل مشهد ما بعد الحرب، ويبقى التحدي أن يوظف السودان حاجته إلى الشراكة والإعمار لتعزيز سيادته، لا أن تصبح هذه الحاجة مدخلاً لفرض أولويات الإدارة الأمريكية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي اختزال الخلاف بين الخرطوم وواشنطن في قبول الهدنة أو رفضها. فالسودان يتمسك، وفق رؤيته المعلنة، بتنفيذ إعلان جدة، والوصول إلى وقف شامل وتام لإطلاق النار، تعقبه ترتيبات أمنية تتضمن تجميع القوات ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بما ينهي الحالة العسكرية للمليشيا المتمردة ويمنع تجدد الحرب. وتستند تحفظات الخرطوم على هدنة التسعين يوماً إلى خشيتها من أن تتحول إلى فرصة لإعادة تنظيم صفوف المليشيا، كما تتهمها بأنها فعلت خلال هدن سابقة.
وهنا يكمن جوهر التباين، فوقف الحرب لا يُختزل في خفض القتال، بل في تفكيك أسبابها وضمان عدم تجددها. ويقتضي السلام المستدام إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين، وإرساء تسوية سياسية لا تكافئ القوة المتمردة ولا ترتهن للإرادة الخارجية، بل تستعيد للدولة سيادتها وأمنها وللسودانيين حقهم في تقرير مستقبلهم.
بحسب #وجه_الحقيقة، لا تكمن المسألة في تغيّر الحسابات الأمريكية بقدر ما تكمن في قدرة الخرطوم على تحويل هذا التغيّر إلى فرصة تخدم مصالح البلاد. فالسلام الذي لا يصون السيادة يظل هشّاً، والاستثمار الذي لا يعزز الإنتاج يظل محدود الأثر، والتعاون الذي لا تحكمه رؤية وطنية قد يتحول إلى تبعية للمصالح الخارجية. واشنطن تعيد حساباتها وفق مصالحها، وعلى الخرطوم أن تدير مصالحها بالوعي نفسه، فالمصالح تغيّر الحسابات، لكن امتلاك أوراق القوة هو ما يحدد شروط التفاوض والسلام.
دمتم بخير وعافية
السبت 17 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
#الخرطوم_وواشنطن #المصالح_الاستراتيجية #السيادة_السودانية #السلام_في_السودان #البرهان_وترامب #إبراهيم_شقلاوي #العلاقات_السودانية_الأمريكية #الأمن_القومي_السوداني #الاستثمار_والتنمية #مستقبل_السودان #المصالح_تغير_الحسابات