اعمدة الرأي

*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي البراء: من البندقية إلى المشروع السياسي*

 

 

متابعات: اللحظة نيوز

من المعلوم أن الحروب لا تنتج منتصرين وخاسرين فحسب، بل تفتح المجال لصعود فاعلين جدد يسعون إلى تثبيت مواقعهم في معادلات ما بعد الحرب. وفقا ً لذلك يبرز البراء بن مالك كأحد الكيانات التي يتجاوز حضورها الميدان إلى فضاءات السياسة. وفي هذا المقال نحاول قراءة مستقبل هذا الكيان، وموقعه المحتمل في تشكيل ملامح السودان القادم.

وفقًا لذلك، بدا الظهور الأخير للمصباح أبو زيد عبر بث مباشر على فيسبوك، في ظل الجدل حول شائعة اعتقاله في رواندا، أبعد من مجرد رد على الواقعة كما ذهب كثيرون، بل بدأ جزءاً من صورة ذهنية تتشكل تدريجيًا، لتكشف عن ملامح دور للبراء بن مالك في مرحلة ما بعد الحرب.

ويتعزز هذا المعني عند ربطه بتغريدة سابقة للرجل تحدث فيها عن توثيق الأحداث وكتابة مذكراته وحفظ الشهادات للأجيال القادمة “كما وقعت لا كما يُراد لها أن تُروى” . فهذه بلا شك ليست مجرد عملية توثيق عادية، بل تعبير عن وعي بأهمية السردية والذاكرة في معركة ما بعد الحرب. وعند قراءة هذه الإشارات مجتمعة، تتبدى ملامح انتقال تدريجي لهذا الكيان من الميدان إلى فضاء السياسة وصناعة الرواية وربما إدارتها.

وقد برز خلال حديثه اهتمام بالانفتاح على الحوار والتواصل مع الداخل والخارج، إلى جانب الاهتمام بمعسكرات النازحين واللاجئين، وهي إشارات تكمل حديثه عن التوثيق وبناء الذاكرة، وتعكس انتقالاً منتبهاً إلى قضايا الرأي العام ، في ظل ما حققه هذا الكيان من حضور خلال الحرب.

تقودنا هذه المؤشرات إلى استنتاج مهم مفاده أن ما يتشكل داخل هذا الكيان يتجاوز مقتضيات الحرب إلى ما بعدها. فالمعركة لم تعد تدور حول دحر المليشيا واستعادة الأرض فحسب، بل حول الموقع في المستقبل أيضاً، حيث تغدو القدرة على التأثير في الرأي العام وصياغة اللحمة الوطنية والعمق الجماهيري عناصر لا تقل أهمية عن القوة التقليدية.

قد يبدو هذا الاستنتاج سابقاً لأوانه، لكنه يكتسب وجاهته عند النظر إلى التحولات التي شهدتها البراء خلال الأعوام الماضية . فلم تعد مجرد تشكيل قتالي، بل تحولت إلى ظاهرة حاضرة في نقاشات الاواسط الشعبية والسياسيين، وراكمت رصيداً معتبراً لدى قطاعات من السودانيين رأت في دورها العسكري مساهمة وازنة، في حماية الدولة من خطر الانهيار.

لكن القضية الأهم ليست في حجم هذا الرصيد، وإنما في طبيعته. فالكثير من المنتمين إلى البراء ليسوا عسكريين محترفين في الأصل، بل ينتمون إلى قطاعات مهنية وعلمية متنوعة، من تخصصات مختلفة. وقد دفعتهم ظروف الحرب إلى حمل السلاح والانخراط في القتال، لكن مهنهم الأساسية ظلت مرتبطة بالمعرفة والخبرة والعمل المدني.

وهنا يكمن أحد أهم عناصر القوة في هذه التجربة. فالدول لا تُبنى بالمقاتلين وحدهم، وإنما بالكفاءات القادرة على إدارتها . وإذا كانت الحرب قد أفرزت كتلة شبابية واعية تمتلك قدراً من التنظيم والانضباط والخبرة الميدانية إلى جانب التأهيل العلمي والمهني، فإن الحديث عن دور سياسي واجتماعي مستقبلي يصبح أمراً منطقياً لا مجرد فرضية نظرية.

صحيح أن النجاح في الحرب لا يعني النجاح في السياسة، وأن إدارة الدولة تختلف عن إدارة المعارك، لكن امتلاك هذا الرصيد البشري يمنح أي مشروع سياسي، فرصة أكبر للانتقال من فضاء العمل العسكري إلى فضاء العمل المدني بنجاح، مقارنة بالتشكيلات العسكرية التقليدية التي تفتقر غالباً إلى القاعدة المهنية والمعرفية اللازمة للتعاطي مع الشأن العام.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الأزمة التي تعيشها الأحزاب السياسية السودانية. فالحرب كشفت هشاشة البنية الحزبية وعجز كثير من القوى التقليدية عن إنتاج مشروع وطني جامع. كما أظهرت حجم الصراعات الصفرية التي ظلت تحكم العمل السياسي في البلاد لعقود، حيث انشغلت النخب بمعارك الإقصاء المتبادل أكثر من انشغالها ببناء الدولة والبرامج .

وفي ظل هذا الواقع ، يبرز العامل الجيلي كأحد أهم محددات المستقبل. فالشباب الذي خاض تجربة الثورة ثم وجد نفسه في قلب الحرب، أعاد ترتيب أولوياته وأسئلته. لذلك لن تُقاس جاذبية أي مشروع سياسي لديه بشعاراته الأيديولوجية، بقدر ما تُقاس بقدرته على استيعاب هذه الطاقة الشبابية وتقديم رؤية عملية للدولة والاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.

ومن هنا تتضح الفرصة والتحدي أمام البراء. فالفرصة تكمن في قدرتها على مخاطبة قطاعات شبابية ضاقت بالاستقطاب، وتبحث عن مشروع وطني جامع، بينما يتمثل التحدي في تجاوز إرث الخصومات والتصنيفات السياسية، والانتقال من خطاب الحرب إلى خطاب الدولة والمواطنة .

ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت البراء ستؤسس حزباً سياسياً أم لا. فذلك في حد ذاته ليس جوهر القضية. السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث لكل هذه الطاقات بعد الحرب؟ فمن الصعب تصور أن آلاف الشباب الذين تركوا أعمالهم ومهنهم ودراساتهم وخاضوا تجربة الدفاع عن البلد ، سيعودون ببساطة إلى حياتهم السابقة وكأن شيئاً لم يكن. فالحروب الكبرى لا تنتهي بخروج المقاتلين من ساحات القتال، وإنما في ادماجهم.

لذلك، فإن الاحتمال الأرجح ليس عودة هذه الطاقات إلى الرصيف، بل سعيها إلى دور جديد في الساحة السياسية. وإذا كانت قد أسهمت خلال الحرب في حماية الدولة من الانهيار، فإن التحدي الأكبر أمامها اليوم ،قد يتمثل في الإسهام بحماية البلاد من الاستقطاب والفوضى السياسية.

فالسودان بعد الحرب لا يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته فحسب ، بل إلى إعادة بناء الأحزاب السياسية، على أسس أكثر تماسكًا ووعيًا بمصلحة البلاد.

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن ظهور المصباح أبو زيد كما نرى لم يكن مجرد نفي لشائعة، بل كشف عن ملامح تحول يجري بهدوء تحت سطح الأحداث. وعليه، فإن مستقبل البراء لن يتحدد بما حققته في الميدان، وإنما بقدرتها على الانتقال من شرعية السلاح إلى شرعية الفكرة والمشروع السياسي الوطني، ومن دور فرضته الحرب إلى دور تصنعه متطلبات بناء الدولة.

دمتم بخير وعافية.
السبت 20 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#البراء_بن_مالك
#المصباح_أبو_زيد
#السودان_ما_بعد_الحرب
#السياسة_السودانية
#مستقبل_السودان
#بناء_الدولة
#الشباب_السوداني
#التحول_السياسي
#إعادة_الإعمار
#إبراهيم_شقلاوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
سياسة الخصوصية