*التعليم في السودان بين الحرب وضياع جيل٠٠٠بقلم٠٠٠ مبارك مامان*

متابعات: اللحظة نيوز
قد يكون الدمار الذي تسببه الحرب في المباني والبنية التحتية مرئياً للعين، لكن أخطر ما تدمره الحروب هو الإنسان. وفي السودان، لا تكمن الكارثة الأكبر في المدارس التي انهارت أو أُغلقت، وإنما في الأطفال الذين فقدوا حقهم في التعلم، وفي وطن يخاطر بخسارة جيل كامل سيكون مسؤولاً عن إعادة بنائه.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد أزمة التعليم مجرد قضية إنسانية أو تربوية، بل أصبحت أزمة أمن قومي وتنمية واستقرار. فالدول تستطيع إعادة بناء الجسور والمطارات والمستشفيات خلال سنوات، لكنها تحتاج إلى عقود لتعويض جيل حُرم من التعليم، وفقد الثقة بالمستقبل.
تشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 10.8 مليون طفل داخل السودان حُرموا من فرص التعليم والتعلم الآمن، بينما لا يزال ما لا يقل عن 8 ملايين طفل خارج المدرسة حتى عام 2026. كما أن قرابة نصف المباني المدرسية لم تعد تُستخدم كمدارس، بعدما أُغلقت أو دُمرت أو تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين أو أصبحت خارج الخدمة بسبب النزاع. (UNICEF)
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، وإنما ملايين الأحلام المؤجلة، وملايين الأطفال الذين يفقدون كل يوم جزءاً من مستقبلهم.
لقد تجاوز السودان مرحلة “الفاقد التعليمي”، ودخل مرحلة الضياع التعليمي، حيث إن آلاف الأطفال لم يجلسوا داخل فصل دراسي منذ ما يقارب 500 يوم، في واحدة من أطول حالات انقطاع التعليم في العالم الحديث، متجاوزة حتى فترات الإغلاق التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا. (Wikipedia)
لكن السؤال الحقيقي ليس: كم طفلاً خرج من المدرسة؟ بل: ماذا يحدث للطفل عندما تخرج المدرسة من حياته؟
الإجابة تبدأ من الصحة النفسية. فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي الدروس فقط، وإنما هي مساحة للحماية، والاستقرار، والدعم النفسي، وتكوين الهوية، وبناء العلاقات الاجتماعية. وعندما يفقد الطفل هذه البيئة، تتضاعف احتمالات إصابته بالقلق، والاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة، وفقدان الدافعية، والشعور بانعدام القيمة والأمل.
ومن واقع عملي في مجال حماية الطفل، فإن أخطر ما تفعله الحرب بالأطفال ليس ما يحدث لهم اليوم، وإنما ما تزرعه داخلهم للمستقبل. فالطفل الذي يكبر وهو لا يعرف سوى النزوح والخوف والحرمان، يصبح أكثر عرضة للعنف، والانحراف، والتطرف، والاستغلال، لأنه لم يجد المدرسة التي تمنحه بديلاً، ولا المجتمع الذي يوفر له الحماية.
أما اجتماعياً، فإن المدرسة كانت دائماً أحد أهم المؤسسات التي تحفظ تماسك المجتمع السوداني. ففيها يتعلم الأطفال التعايش، وقبول الآخر، والانضباط، واحترام القانون. وعندما تغيب المدرسة، تتراجع هذه القيم، ويزداد خطر عمالة الأطفال، وزواج القاصرات، والتجنيد، والاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي، خاصة في ظل النزوح الواسع وضعف منظومات الحماية.
وتظل الفتيات الأكثر تضرراً. فكل سنة تقضيها الطفلة خارج المدرسة تزيد احتمالات تعرضها للزواج المبكر أو الانقطاع النهائي عن التعليم، وتحرم المجتمع من طبيبة أو معلمة أو مهندسة أو قائدة كان يمكن أن تسهم في إعادة بناء السودان.
أما اقتصادياً، فإن الخسارة لا تقل فداحة. فالبنك الدولي واليونسكو يؤكدان منذ سنوات أن كل سنة إضافية يقضيها الطفل في التعليم ترفع إنتاجيته ودخله المستقبلي، بينما يؤدي الانقطاع إلى خسائر اقتصادية تمتد طوال حياته العملية. وعندما نتحدث عن ملايين الأطفال، فإننا نتحدث عن خسارة هائلة في رأس المال البشري، وانخفاض الإنتاجية الوطنية، وتأخر إعادة الإعمار لعقود.
ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن إعادة فتح المدارس وحدها ستكون كافية. فالطفل الذي عاش الحرب يحتاج أيضاً إلى دعم نفسي واجتماعي، وبرامج لتعويض الفاقد التعليمي، ومعلمين مدربين، ومدارس آمنة، ونظام تعليمي أكثر مرونة يستطيع استيعاب سنوات الانقطاع.
لقد أطلقت اليونيسف وشركاؤها خلال هذا العام برامج لإعادة أكثر من 328 ألف طفل إلى التعليم، وهي خطوة مهمة، لكنها تبقى محدودة أمام حجم الأزمة الوطنية التي تشمل ملايين الأطفال. (UNICEF)
إن التعليم في السودان يجب ألا يُنظر إليه باعتباره خدمة يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب، بل باعتباره جزءاً من الاستجابة الإنسانية نفسها. فالمدرسة تنقذ الحياة كما ينقذها الغذاء والدواء، لأنها تحمي الطفل من الاستغلال، وتمنحه الشعور بالأمان، وتعيد إليه الأمل.
إن التاريخ سيحاسب الجميع على ما يحدث لهذا الجيل. وإذا كانت الحروب تسرق الحاضر، فإن حرمان الأطفال من التعليم يسرق المستقبل.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل يحتاج إلى وقف انهيار التعليم. فإعادة بناء المدارس أسهل كثيراً من إعادة بناء الأطفال بعد أن يكبروا وهم يحملون آثار الحرمان والجهل والصدمات.
إن إنقاذ التعليم لم يعد قضية تخص وزارة التربية والتعليم أو المنظمات الإنسانية وحدها، بل أصبح مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت والحديد فقط، وإنما تُبنى بالعقول التي تتعلم، وبالأطفال الذين يؤمنون بأن لهم مستقبلاً يستحق أن يعيشوا من أجله.
إن أكبر معركة يخوضها السودان اليوم ليست فقط من أجل إنهاء الحرب، بل من أجل ألا يكون ثمنها ضياع جيل كامل.ل




