الجوع كافر* ✍️ لـواء رُكن ( م ) د. يونس محمود محمد

متابعة: اللحظة نيوز

 

بكلماتٍ دامعة ترسمُ ملامح المعاناة التي يكابدها المواطنون في الفاشر ومُدن جنوب كُردفان كادُقلي وأخواتها حيثُ انبرت نسوة حرائر يعلنَّ صرخات مدويّة كنداء إستغاثةٍ أخير بعدما نفد مخزون الصبر و ( *البصارة* ) والبصارة بلُغة أمهات الريف هي التصرّف بأيّ شكلٍ لصُنع وجبة بعيدًا عن معتاد الطعام.
الشابة القمحية الفصيحة القسمات وهي تُنادي من وراء الأسر في كادُقلي تشيحُ بوجهها حينًا لتداري الدمع الغلّاب وتروي سِيّر وأخبار مروّعة عن أنياب الجوع وهي تنشبُ في ما تبقى من أجساد الأطفال الذاوية وعظامهم البادية وتلخّص أحلامهم في كسرةِ خُبزٍ وجرعةُ دواءٍ أبت عصابات ومليشيا الدعّامة أن تسمح بمرورها إليهم إنفاذًا لمخطّط قتل السودانيين بكُل الأسباب، بالقصف والقهر والتشريد والتجويع في أشدِّ جرائم العصر ضراوةً، وفي أخس وأحقر عصور الإنسانية أنحطاطًا والعالمُ ( *الحُرّ* ) صاحب الحضارات والتكنولوجيا، المُمسك بعجلة العلم والتقدّم يرى مصارع مئات الآلاف من إخوته في الإنسانية يموتون كُل يومٍ وتنحسرُ الحياة في عروقهم حتى تجف، ونداءات أعينهم التي تخترق حُجُب القسوة في جلاميد الصخور لا تجدُ إلّا الأعراض والتسويف والتعبير الباهت عن ( *القلق* ) الذي يساورُ أمين عام الأمم المتحدّة أحيانًا، أو يخاطر أمين الجامعة العربية في لحيظات تجلّي، أو الإتحاد الأفريقي إذا خلت جيوبه من مال الإمارات وراودته نفس الإنسان المطمورة تحت ركام العجز والفساد.
من الفاشر تأتمرُ نسوة المدينة في شبه صلاة إستسقاء لرحمة المولى، وهُنّ رقيقات الحال، عليهن أثمال ستر عتيقة، عليها حواشٍ من عذاب الدهر، ومزق كأخاديد الدمع الصامت بعدما جفّت مآقيهن، زابلات بسبب هبوب السموم وقلّة الماء العزيز، جفّت عروقهن وغارت الأثداء من لبنٍ لرضيع، ذوات خواطر مكسورة، ووجع مكرور بتكرار أنّات الصغار وثغائهم المتعثّر بين الشفاه اليابسة، يهرولن بين كُل ربوةٍ وباب، عساهُنَّ يظفرن بما ظفرت به أمهن هاجر في واديها المجدب عند بيت الله الحرام.
نعم البيت الحرام الذي طالما كسته أيادي جداتهن وهُن ينسجن خيوط القطن ويغزلن الحرير، ويُشَهلنّ الحملة كما اعتادت الفاشر أن تفعل . يجأرن بشكواهن لله القوي وهو ( *عالم بكل شئ* ) يشكين له محمد بن زايد يردّدن مقالة سيدنا موسى في حق فرعون ، ( *رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ* ) سورة يونس – آية 88.
آل زايد الذين أمسكوا ( *صافرة الشيطان* ) إستنفروا كُل القتلة المأجورين في العالم ليجيئوا لمحفل الألم والدم في السودان، فجاءت قطعانهم وأسرابهم من وراء البحار من كولومبيا صُفر الوجوه كأنَّهم جراد الصحراء، ومن خلال حدود جوار السوء، فما طالوا عرضًا إلّا وإنتهكوه، ولا مالًا إلّا إنتهبوه، ولا نفسًا إلّا أسرفوا في قتلها، وأمامهم في الشر آل دقلو، هذه العائلة التي تسبّبت في شقاء أهل السودان أكثر مما تسبّب أحدٌ سواهم مما رواه التاريخ في إحداث الأذية بالناس.
الجوع كافر، يُشعل الجوفَ نارًا، ويقضُّ المضاجع كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مستعيذًا منه بأنّه ( *بئس الضجيع* ).
تجوعُ الفاشر وفي سجلّاتها قوافل من ( *المندولات* ) وهي القدح المنحوت من جذوع الصنوبر والتيك، جميل المنظر، فاخر المحتوى، يحفظ دفئ الطعام لفترة طويلة، تملأه الميارم بعصيدة ( *الجير* ) وهو خُلاصة الذرة الابيض والدُخن، وإدامه ( *تقلية عين الديك* ) من اللحم القديد والسمن والبصل والبهارات، وكان هذا شأنُ الولاة الكرماء أمثال الدكتور الطيّب إبراهيم محمد خير، والدكتور محمد عثمان يوسف كبر، يُكرمون أضيافهم ووفودهم، وما تزالُ ريحة ( *الكشنة* ) عالقةٌ بذاكرة مَن مرَّ على تلك الديار العامرة بالكرم بالمآثر، والتي أبى الشقيّ حميدتي والقحّاطة إلّا أن يبدلوا أمنها خوفًا، وشبعها جوعًا ومسغبة لدرجة الهلاك.
الجوع كافر، وأشدُّ منه كفرًا المجتمع الدولي، وأقسى منهم قلبًا مليشيا الدعم السريع، وأشرار الخلق من القحّاطة وجماعة اليسار العلماني التي جبُنت أن تشهد بجُرمِ تحالف حميدتي والإمارات والصهيونية وهم بعض أدواته في التدمير المتعمّد للوطن والإنسان في السودان.
الجوع كافر وبقدر لسعاته في أجواف مئات الآلاف من أهل الفاشر وجنوب كُردفان يضربُ بالأسى في أعماق القيادة وكَل من تحمّل مسؤولية ولاية الأمر، ويشحذُ هِمم المقاتلين الذين يملؤهم اليقين بالنصر وهم يتأهبون لإجابة نداء الميارم، ويرصفون طريقهم بالدم على صفحات رمل كُردفان في أم صميمة وأم سيالة وتخوم بارا، ترفدهم جسارة وجرأة لا تنتكسُ عند وهم ما إستجلبه بن زايد من سوام ومرتزقة لأن الفرق شاسعٌ بين جنديّ وطنيّ غيور أمين، وما بين قاتل أجير يقتاتُ من دمه، لا أصل له في الحياة ولا قيمة.
الجوع كافر، أظافره في جوف الفاشر وجنوب كُردفان وكُل المناطق المُحاصرة، وألمه في كُل جسد السودان الواحد، الذي يتّجه بكلياته لإنقاذ الناس هناك.
ولكن فصل القول في جيش لجب، تحشر جنوده وتوزع فيالقها أولها في الفاشر وأواخرها في كُل مدينة سودانية تدفعُ بالمقاتلين زمرةً إثر زمرة حتى يُكسر الحصار، ويُغاث الناس، وليعلم العالم أنَّ السودان وطنٌ واحد، وشعبٌ واحد، ويوم إذٍ يفرحُ المؤمنونَ بنصرِ الله ينصرُ من يشاء وهو العزيزُ الحكيم.

حصار الفاشر وجنوب كُردفان عارٌ على الحضارة المادّية اللاإنسانية.
العيون أرهقها التحديق والتبصّر في الأفق لمرائي غُبار التاتشرات، وهدير الحديد، وصافّات الطيران المسيّر.

﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾
سورة التوبة – آية 14

اللهُم إشفِ صدورنا بنصرٍ عاجلٍ وعزيز.

*بـَلْ بـَسْ*

Exit mobile version