اعمدة الرأي

*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي قطر… ذاكرة لا تشتريها الحروب*

 

 

متابعات: اللحظة نيوز

بالرحيل المفجع للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، استعاد السودانيون سيرة قائدٍ عربي ملهم عُرف بالحكمة والمروءة، كما استعادوا ذاكرةً من المواقف التي رسخت لقطر مكانةً خاصة في وجدانهم. فذاكرة الشعوب لا تصنعها البيانات ولا المصالح ، وإنما تبنيها مواقف تصمد أمام اختبار التاريخ، ولذلك بقيت قطر في الذاكرة السودانية، ذاكرةً لا تشتريها الحروب، ولا تُبددها المواقف الرمادية.

لذلك جاء إعلان الحكومة السودانية الحداد الرسمي على رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني اعترافًا رسميًا وشعبياً، بمكانة قائد نبيل، ارتبط اسمه في الوجدان السوداني بالسلام والتنمية، وتجسيدًا لعمق العلاقات، التي صنعتها المواقف الراسخة.

ولعل أكثر اللحظات تعبيرًا عن هذا المزاج الشعبي تجاه قطر، ما شهدناه خلال تغطيتنا للقاء جماهيري للرئيس السابق عمر البشير أواخر عام 2018، في ذروة الأزمة الاقتصادية والسياسية. فبينما كان يعدد الدول العربية الداعمة للسودان، سقط اسم قطر من حديثه ربما كان ينتظر لحظة أكثر خصوصية لذكرها، لكن الجماهير سبقته بالهتاف: “قطر.. قطر يا البشير”، ليبتسم ويقول: “أكيد قطر”. كان ذلك استفتاءً شعبيًا عفويًا على مكانة قطر في الوجدان السوداني، بوصفها دولة ارتبط اسمها بالتنمية، والسلام، و الإنسانية.

ولم تتشكل هذه المكانة مجاملات سياسية، بل صنعتها مواقف متراكمة، أبرزها زيارة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والشيخة موزا بنت ناصر، إلى السودان لتقديم واجب العزاء في وفاة المشير عبد الرحمن سوار الذهب عام 2018. فقد رسخت الزيارة لدى السودانيين أن العلاقات بين الدول تُقاس بالمواقف التي تبقى في الذاكرة.

ولم تقتصر هذه العلاقة على المواقف الإنسانية، بل تجسدت في شراكة تنموية ممتدة. ففي عهد الأمير الوالد، أسهمت قطر في دعم مشاريع استراتيجية، من بينها سد مروي، وتعلية سد الروصيرص، ومجمع سدي أعالي عطبرة وستيت، إلى جانب مبادرات في التعليم والعلاج. وبعد اندلاع الحرب، كانت قطر من أوائل الدول الحاضرة إنسانيًا، وتجسد ذلك في زيارة وزيرة الدولة للتعاون الدولي لؤلؤة الخاطر، التي تركت كلماتها عن الفرق بين الراسخين والطارئين على التاريخ أثرًا عميقًا في وجدان السودانيين. لذلك الدعم القطري كان استثمارًا في مستقبل السودان وإنسانه.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الحضور القطري في السودان ضمن مفهوم أوسع هو دبلوماسية التنمية، حيث تصبح مشروعات الكهرباء والمياه والتعليم والإعمار أدوات للبناء الإيجابي وتعزيز العلاقات بين الشعوب، وليس مجرد مواقف سياسية مرتبطة بتغير الحكومات والظروف.

برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا يفقد السودان شخصية عربية بارزة فقط، وإنما يودع أحد القادة الذين تركوا بصمة واضحة في السياسة الإقليمية خلال العقود الماضية. فقد انتقل خلال فترة حكمه منذ عام 1995 بقطر من دولة ذات حضور محدود إلى لاعب إقليمي مؤثر، مستنداً إلى رؤية قامت على الاستثمار في الإنسان، وبناء القوة الناعمة عبر الإعلام، وتوظيف التعليم والثقافة والدبلوماسية كأدوات لتعزيز مكانة الدولة.

وفي السودان، ارتبط اسم الشيخ حمد بن خليفة بمواقف عملية، أبرزها رعاية اتفاق الدوحة للسلام في دارفور عام 2011، الذي مثل إحدى أبرز محطات الوساطة الإقليمية في ملف الصراع السوداني. كما امتدت المبادرات القطرية إلى مجالات التنمية والإعمار، من خلال مشروعات في التعليم والصحة والتراث والبنية الخدمية، فضلاً عن الدور الإنساني الذي قامت به المؤسسات القطرية في عدد من مناطق السودان.

كما عكست زيارات الشيخة موزا بنت ناصر المسند إلى السودان هذا النهج، في عام 2017، حين ارتبطت بدعم التعليم، وترميم آثار حضارتي كرمة ومروي، وتوفير فرص العمل للشباب. وهي مبادرات جسدت رؤية تعتبر التنمية مدخلًا للاستقرار. لذلك لم ترتبط مكانة قطر في وجدان السودانيين بما قدمته بل بالطريقة التي قدمت بها نفسها كشريك وقت الأزمات، فالمصالح تتغير، أما المواقف الصادقة فتبقى في ذاكرة الشعوب.

وجاءت برقيات التعزية من القيادة السودانية، ممثلة في الرئيس عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء د. كامل إدريس، ووزير الخارجية السفير محيي الدين سالم، لتؤكد أن رحيل الأمير الوالد يمثل خسارة لقائد ترك بصمة في مسيرة السلام والتنمية والعلاقات المشتركة. فهذه العلاقة لم تبنها الحكومات وحدها، بل رسختها مواقف إنسانية بقيت حية في ذاكرة الشعبين.

ومن هنا يمكن فهم ذلك الهتاف العفوي: “قطر.. قطر”، فقد اختصر مكانة صنعتها المواقف النبيلة . ففي نظر كثير من السودانيين، قامت علاقة قطر بالسودان على الشراكة لا الوصاية، وعلى الاستثمار في الإنسان والتنمية لا في الأزمات والموارد، ولذلك بقيت حاضرة في الذاكرة السودانية.

وهنا تتجلى المفارقة مع نموذج إقليمي آخر رأي في موارد السودان فرصة للنفوذ، فارتبط حضوره بالحرب ومحاولات التأثير في القرار الوطني.

وبين من اختار البناء وجعل من التنمية طريقًا، ومن اتخذ من الحرب مدخلًا للمصالح، يميز السودانيون بين من أسهم في السلام والإعمار، ومن أسهم في الهدم وتمويل الحرب وتشريد الناس. لذلك لم تكن مكانة قطر في الوجدان السوداني وليدة دعاية أو ظرف استثنائي، بل ثمرة مواقف تراكمت عبر الزمن، فالشعوب لا تنسى من أعانها على البناء، ولا تغفر لمن سعى لهدم مؤسساتها وفرض إرادته على وطنٍ عريق بحضارته وتاريخه.

رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقد كان واحداً من القادة الذين حاولوا أن يجعلوا من قوة الدولة امتداداً لقوة الإنسان، ومن السياسة مساحة لصناعة التأثير لا مجرد إدارة المصالح. وسيبقى اسمه مرتبطاً في السودان بمرحلة من العلاقات التي تجاوزت لغة البيانات إلى لغة المواقف. هذا هو #وجه_ الحقيقة.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 14 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
سياسة الخصوصية