*مداخلة في تدشين كتاب: الذاكرة السودانية: المجموعة الاولى٠٠٠تأليف الاستاذ محمد الشيخ حسين برعاية منظمة إسناد الخيرية ٠٠٠د. خالد محمد فرح*

متابعات: اللحظة نيوز
اود بادئ ذي بدء ان أحييكم اطيب تحية في هذه النهارية السعيدة، التي نجتمع في رحابها، لكي نحتفي بتدشين كتاب الذاكرة السودانية: المجموعة الاولى.
إن كتاب الذاكرة السودانية المجموعة الاولى، هو سفر ضخم، ومجلد موسعي يضم أكثر من سبعمائة صفحة من القطع الكبير، من تأليف صديقنا الكاتب والصحفي الاستاذ محمد الشيخ حسين، حفظه الله ومتعه بموفور الصحة والعافية.
وهذا الكتاب هو في الواقع، جماع لجملة من المؤلفات المستقلة، والمراجعات في الكتب، والمقالات التي كان قد نشرها المؤلف في تواريخ مختلفة سابقاً، ثم عمد إلى جمعها على صعيد واحد لتنشر في هذا المجلد الذي بين أيدينا ، والذي يوحي عنوانه؛ الذاكرة السودانية؛ المجموعة الاولى، بان هنالك مجموعة، او ربما مجموعات أخرى سوف يأتي نشرها تباعا كما نأمل بإذن الله.
* إن شهادتي في محمد الشبح حسين شهادة مجروحة كما يقال، وذلك لأكثر من سبب وقرينة. فاولا نحن أتراب وأبناء جيل واحد، هو الجيل الذي صار يطلق عليه ليه في الإنجليزية ” جنريشان جونز ” ، وهم مواليد ما بين اواخر الخمسينيات من القرن الماضي واوائل الستينيات منه .. ولد كلانا كما اتصور في عهد عبود، ودخلنا المدرسة في عهد حكومة أزهري ومحجوب وعام النكسة ومؤتمر اللاءات الثلاث بالخرطوم، ودرسنا جميع مراحلنا الدراسية في عهد نميري إلى ان تخرجنا من الجامعة في نفس العام 1984، واشتغلت أنا مثله بعد التخرج بالصحافة اولا بوكالة السودان للأنباء سونا، قبل ان انتقل منها للعمل بوزارة الخارجية في عام 1986م. ثم ظللنا نتعارف منذ التسعينيات، ونشأت بيننا علاقة صداقة وثيقة، زادها متانة عشق كلينا لمجالس ومنتديات الادب والثقافة والابداع، والتي كثيرا ما نلتقى في رحابها، حيثما كانت بالعاصمة المثلثة.
* أما كتاب الاستاذ محمد الشيخ هذا الذي نحن بصدده، فإنني أقول عنه من دون أية مبالغة أو تزيّد، إنه كتاب مهم ومفيد للغاية، ولا غنى عن اقتنائه والاطلاع على ما فيه من مادة دسمة ومتنوعة وأصيلة في بابها، لأي دارس أو باحث في مختلف جوانب تاريخ السودان الحديث وخصوصاً المعاصر، إلى جانب مجال السير والتراجم.
* وأنا لا أقول ذلك من قبيل المجاملة، ولاعتبارات الإخاء والصداقة والكيمياء المشتركة فيما بيننا، ولا لكون أنه قد ذكرني فيه بالخير، حين أشار في صفحة 29 منه ، إلى مشاركتي في ندوة عقدت في عام 2008 بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم، لمناقشة كتاب: ذكرياتي في البادية للأستاذ حسن نجيلة، في إطار ندوة العلامة عبد الله الطيب الأسبوعية عامئذٍ، بما قد يُفهم منه أن ذلك من قبيل مضمون المثل الشعبي القائل: تشهد للعروسة وتطري جمالها مزينتها وأمها وخالتها، ولكن من واقع تقويم واقعي، ونظرة موضوعية متجردة لهذا الكتاب في الواقع.
* تميز محمد الشيخ حسين كما يشهد بذلك كتابه هذا، في كتابة السيرة الغيرية ( Biographies )، التي أضحى التأليف فيها، جنساً كتابياً مميزاً وملحوظاً في المكتبة السودانية خلال العقود الأخيرة، إلى درجة أن أحد الكتاب والمثقفين المعاصرين، هو الدكتور مصطفى الصاوي، قد خصص لها رسالته للدكتوراه في الادب السردي السوداني الحديث، وهي رسالة أنجزها تحت إشراف الراحل البروفيسور ِعبد الله حمدنا الله.
* ولعل محمد الشيخ حسين يتأسى في ذلك النمط من التأليف، ويقتفي آثار من سبقوه فيه من أفذاذ الكتاب السودانيين من أمثال: محجوب عمر باشري، وعون الشريف قاسم، وعلي المك، ومحمود أبو العزايم، وبشير محمد سعيد، واحمد شاموق، وصديق البادي وغيرهم.
* أما عن محمد الشيخ حسين الصحفي، فبحسبي أن أقتطف هذه الفقرة واضحة الدلالة، من التقديم الباذخ الذي خطه يراع المثقفة والاعلامية الكبيرة الأستاذة آمال عباس العجب، كتوطئة لكتابه: مرفأ الذاكرة السودانية: نحو عصر تدوينٍ جديد، الذي صدر في عام 2008، والذي يتصدر متنه هذه الموسوعة الكبرى:
* تقول الاستاذة آمال عباس: ” الصحفي النابه محمد الشيخ حسين، عرفته عن قرب في العام 1984، وهو على العتبات الأولى في دنيا الصحافة. من صحيفة الصحافة، رافق قافلةً ثقافية، سيرها معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية إلى الاقليم الشمالي وقتها. ومن أسلوب تغطيته لمناشط القافلة، كنت ألمح مشروع صحفي متميز ، حسب فهمي لدور الصحافة، لا مجرد مُخبر يكتب الخبر وحسب. فقد كان محمد يعيش الحدث وينظر إلى دلالته ومكوناته ومآلاته. ” انتهى كلام الاستاذة آمال عباس، ويا لها من شهادة.
* وبحمد الله وفضله، فإن الأستاذ محمد الشيخ حسين لم يخيب ظن استاذته آمال عباس فيه، إذ غدا فيما بعد، صحافياً نابهاً ، وكاتباً متميزاً يُشار إليه بالبنان، ولا أود أن أقصم ظهره، والدليل على ذلك، هذا التداعي الملحوظ من قبل هذا الجمع النوعي الكريم، لحضور تدشين الجزء الاول من موسوعته الموسومة ب ” الذاكرة السودانية “.
* وللتدليل على ما ذهبنا إليه من شغف المؤلف بالكتابة في مجال السيرة الغيرية، واستعراض الكتب، واستنطاق الشخصيات العامة، ممن يعرفون بالشاهدين على العصر في شتى المجالات في السودان، اسمحوا لي ان استعرض امام حضراتكم سريعاً، بعض العناوين الجانبية، لكتاب الاستاذ محمد الشيخ ” مرفأ الذاكرة السودانية “.
* ففي باب الشخصيات السودانية من هذا الكتاب، أورد المؤلف على سبيل المثال، نبذاً تعريفية عن كل من: حسن نجيلة، وزين العابدين الهندي، والصادق المهدي، وفيفيان ياجي، وعبدالله حمدنا الله، وعلي شمو، ومحمد خير البدوي، بل انه لم ينس إيراد نبذة عن عامل بسيط اسمه ” حارث ” ، كان يعمل فراشا بمكتب العلامة عبد الله الطيب لبضعة عقود.
* وفي باب محطات تاريخية، كتب المؤلف على سبيل المثال مقالات تحت هذه العناوين: مذكرات خضر حمد، وحصاد أكتوبر، وإفادة سر الختم الخليفة، وإفادة أحمد سليمان، وإفادة أحمد السيد حمد، وإفادة جعفر كرار. وكل ذلك يندرج بالطبع، في سياق وقائع تاريخ السودان المعاصر فيما ثورة أكتوبر 1964 المجيدة، هذا إلى جانب مقالات أخرى عن: انتفاضة أبريل، والأحزاب الجنوبية، والجمعية التأسيسية، والمؤتمر الوطني، ودارفور بوابة السودان الغربية وغيرها.
* وأما في باب آفاق فكرية، فقد أثبت المؤلف في هذا الباب، لمحات من وجهات نظره بالطبع في شخصيات مثل: محمد عمر بشير، ومدثر عبّد آلرحيم، ومحمد هاشم عوض، ومحمد عبد الوهاب جلال.
* وعلى صعيد آخر، يستعرض المؤلف في ذات الكتاب بإيجاز، كتباً من تأليف، عن شخصيات مرموقة ومؤثرة في المجتمع مثل: الرئيس جعفر نميري، والدكتور منصور خالد ، والبروفيسور عبد الله الطيب، والدكتور منصور خالد وغيرهم.
* إن الاهتمام بالذاكرة السودانية، والحرص والسعي لحفظ جميع متعلقاتها، والتوثيق لها، من وقائع وأحداث وأماكن وآثار وشخوص وموضوعات ، لهو هم وطني مشروع، بل واجب مقدس، يتعين على الدولة السودانية بمؤسساتها الرسمية ذات الصلة، على مستوى وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والخارجية، والجامعات والمتاحف واللجنة الوطنية لليونسكو ، فضلا عنّ الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون ودار الوثائق القومية وغيرها أن توليها الاهمية القصوى، وذلك رغم التحديات الجسام التي ظل يتعرض لها السودان بسبب الحرب المدمرة التي طالت جميع مؤسساته وبناه التحتية . هذا بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني وسائر الكتاب والمثقفين والمبدعين الذين يجب ان يقوموا بدورهم الأكمل في هذا المجال، وذلك حفظا لتراث السودان المادي وغير المادي، للأجيال القادمة، بل للإنسانية جمعاء.
* وبمناسبة الحديث عن منظمات المجتمع المدني المعنية بتوثيق تراث السودان التاريخي والثقافي ، مما له صلة وثيقة بمفهوم الذاكرة السودانية، فلعل مما يجدر ذكره في هذا المقام، انه قد تأسست في تسعينيات القرن الماضي منظمة تحمل اسم المنظمة السودانية لتوثيق المعرفة، كان يترأسها الوزير الراحل إبراهيم منعم منصور ، ويتولى منصب أمينها العام الدكتور بدر الدين عمر الحاج موسى.
* وأود ان اخلص من ذلك إلى القول بان الوعي بأهمية المحافظة على الذاكرة السودانية ، وصون تراثها لمصلحة الاجيال القادمة، قد ظل مرعيا لحسن الحظ، بواسطة نفر كريم من ابناء السودان وبناته ، وان ما ظل يفعله صديقنا الاستاذ محمد الشيخ حسين من خلال كتاباته، ممثلةً في موسوعته الباذخة هذه، يصب بكل تاكيد في هذا الاتجاه. ولعلي انتهز هذه السانحة لكي اقترح ضم الاستاذ محمد الشيخ إلى هذه الجمعية الرائدة، تقديراً لعطائه الجم والمتميز كما وكيفا في هذا المضمار، هذا إذا لم يكن يتمتع بعضويتها سلفا، مع تمنياتي له بدوام الصحة والعافية، واطراد التوفيق والسداد، لتحقيق المزيد من العطاء الفكري والمعرفي المتميز والنافع إن شاء الله.




