اعمدة الرأي

*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي الكهرباء: أزمة أم مؤامرة*

 

متابعات: اللحظة نيوز

أعادت أزمة الكهرباء هذه الأيام فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في هذه المرحلة ، بعد أن شهد قطاع الطاقة حريقين متتاليين في منشآت استراتيجية، بدأ أولهما بمحطة الكهرباء الحرارية في بورتسودان، قبل أن يتسبب حريق بمحطة كهرباء سد مروي في خروج جزء من الإمداد الكهربائي وحدوث قطوعات واسعة في عدد من الولايات.

أوضحت الوزارة أن الحريق تسبب في أضرار كبيرة بالمغذيات الرئيسية لخطوط النقل، مروي– المرخيات، ومروي – عطبرة ، ما يستدعي عدة أيام لإكمال الصيانة وإعادة التيار للولايات المتأثرة. وأكدت استمرار التحقيقات لمعرفة أسباب الحريق، مع متابعة الوزير لأعمال الإصلاح وتوفير قطع الغيار وتشغيل البدائل لضمان إدارة الطاقة المتاحة.

هذه الأزمة التي تأثرت بها إمدادات المياه في ولاية الخرطوم، كما فتحت نقاشاً حول مستقبل قطاع الكهرباء في البلاد: هل نحن أمام أزمة تشغيلية فرضتها ظروف الحرب وضعف البنية التحتية ؟ أم أن تتابع الأحداث يفرض تساؤلات حول أمن القطاع؟ وبين الاحتمالين، تبقى الحقيقة الأهم أن الكهرباء أصبحت اليوم اختباراً لقدرة الدولة على إدارة مرحلة التعافي.

فاستقرار الطاقة في مثل هذه الظروف، يرتبط مباشرة بعودة النشاط الاقتصادي، وتشغيل المؤسسات، وجذب الاستثمار، وتعزيز ثقة المواطن في الحكومة. ولذلك فإن أي اضطراب في قطاع الطاقة وخاصة الكهرباء لا يمكن قراءته باعتباره عطلاً فنياً جراء الواقع المعقد، بل باعتباره مؤشراً على حجم التحديات التي تواجه الدولة في مرحلة إعادة البناء.

ولهذا فإن فتح وزارة الطاقة تحقيقاً حول أسباب الحريق بحسب البيان خطوة مهمة، لكن الأهم هو إعلان نتائجه بشفافية للرأي العام. فالأزمة لا تتعلق بعودة التيار فقط، بل بقدرة الوزارة بكل مكوناتها على حماية المرافق الاستراتيجية. لذلك مع تصاعد الغضب الشعبي جراء القطوعات المتكررة، يجب أن يكون التعامل مع الملف وفق منهج حازم يوازن بين المساءلة وتحديد المسؤوليات، فإذا ثبت وجود تقصير تجب المحاسبة، وإن كان السبب فنياً فيجب مراجعة منظومة التشغيل والوقاية والاطفاء لمنع الأزمة.

اللافت برزت في النقاش العام تساؤلات عن وجود اختلالات داخل قطاع الكهرباء، وصلت إلى الحديث عن “طابور خامس”، إلا أن مثل هذه الاتهامات يجب أن تستند إلى أدلة ونتائج تحقيقات. وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن القطاع تأثر منذ عام 2019 بالتغييرات الإدارية وخروج عدد من الكفاءات الهندسية، ثم بهجرة المزيد من الخبرات خلال الحرب، مما أضعف الذاكرة المؤسسية في قطاع يعتمد على الخبرة الفنية المتراكمة.

لكن جوهر القضية لا ينبغي أن يتحول إلى صراع سياسي حول الأشخاص، وإنما إلى سؤال أكبر: كيف تحافظ الدولة على مؤسساتها الاستراتيجية بعيداً عن التجاذبات؟ فالكهرباء ليست قطاعاً عادياً يمكن تعويض خسائره بسهولة، وأي فراغ مهني أو إداري فيها ينعكس مباشرة على قدرة الدولة.

والحقيقة أن السؤال المهم لا يتعلق بمن تسبب في الحريق، بل لماذا أصبح قطاع الكهرباء بهذه الدرجة من الهشاشة، بحيث يستطيع عطل واحد أن يغرق أجزاء واسعة من البلاد في الظلام مع تكرار ذلك عدد من المرات. في تقديري هنا تظهر الأزمة الحقيقية، فالمشكلة ليست في الحريق وحده، وإنما في بنية قطاع عانى طويلاً من تحديات التمويل والصيانة والتحديث، ثم جاءت الحرب لتضاعف الضغوط وتضعف قدرة الدولة على الاستجابة.

ولهذا فإن الجدل بين فرضية “الأزمة” وفرضية “المؤامرة” يجب ألا يحجب الحقيقة الأكبر. فحتى لو ثبت أن ما حدث كان مؤامرة أو عطلاً فنياً، فإن هشاشة القطاع تمثل خطراً استراتيجياً في حد ذاتها تستوجب تدخل الجهات الأمنية. فالبنية التحتية الحيوية أصبحت جزءاً من الأمن القومي، لأن استقرارها يرتبط باستقرار الاقتصاد والمجتمع وقدرة الدولة.

ومن هنا فإن هذه المرحلة تفرض الانتقال من إدارة الأعطال إلى بناء منظومة طاقة حديثة مستدامة، عبر الاستعانة ببيوت الخبرة العالمية، وإعادة تأهيل الشبكات، وجذب التمويل من خلال شراكات استثمارية مبتكرة مثل نظام البناء والتشغيل ثم التحويل “BOT” بما يخفف العبء عن الدولة ويضمن دخول الخبرات ورؤوس الأموال اللازمة لإنقاذ الوضع

هذا وبحسب #وجه_الحقيقة فإن بلادنا اليوم لا تحتاج فقط إلى عودة التيار بعد كل أزمة، بل تحتاج إلى قطاع كهرباء قادر على الصمود أمام الأزمات. فإدارة الطوارئ قد تعالج اللحظة، لكنها لا تصنع المستقبل. وفي النهاية، قد تكشف التحقيقات أن ما حدث كان عطلاً فنياً، وقد تكشف وجود تقصير أو عملاً تخريبياً، لكن الحقيقة السياسية الأهم تبقى أن الدولة التي يستطيع حريق واحد أن يغرق أجزاء واسعة منها في الظلام تحتاج إلى مراجعة عميقة لمنظومة الطاقة والكادر العامل بأكملها.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 4 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com

#الكهرباء #السودان #أمن_الطاقة #البنية_التحتية #إعادة_الإعمار #الأمن_القومي #قطاع_الكهرباء #الطاقة #الشفافية #السودان_ما_بعد_الحرب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
سياسة الخصوصية