اعمدة الرأي

*همس الحروف* *تفكيك معادلة الشر ، سد النهضة ، ودعم التمرد في السودان ، والأمن القومي المصري في مرمى الاستهداف* ✍️ *د. الباقر عبد القيوم علي*

متابعة: اللحظة نيوز

اللحظة نيوز:

ظلت مصر تشكل بثقلها الجغرافي ، والحضاري ، والسياسي حجر أساس في معادلات المنطقة ، وهذا ما جعلها في السنوات الأخيرة تكون أمام تحد وجودي صريح في أمنها المائي ، وليس من باب المصادفة أن تتزامن أزمة سد النهضة مع نشوب حرب السودان ، خاصة في ظل تقارير إستخباراتية دقيقة تؤكد وجود دعم غير معلن من أطراف إقليمية ، ودولية تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة فقط ، وهي تحجيم الدور المصري وزعزعة إستقراره في إقليمه .

نرجع قليلاً بالتأريخ إلى خمسينيات القرن الماضي ، فنجد أن إسرائيل تبنت سياسة واضحة في التمدد جنوباً نحو القرن الإفريقي ، وهذا التوجه لم يكن عشوائياً كما ظن بعض المحللين أنذاك ، لأن ذلك كان نابعاً من فهم إستراتيجي لطبيعة الأمن القومي المصري ، لكونها دولة تماس مباشر مع إسرائيل وذات تأثير قوي في المنطقة ، ما يجعل استقرارها الإقليمي ، وتنميتها مصدر قلق دائم للكيان الصهيوني .

السودان يشكل العمق الاستراتيجي لمصر ، وإذا ما إختل توازنه يترتب على ذلك إختلال في أمن مصر القومي والمائي ، والغذائي ، مقروءاً مع ذلك بناء إسرائيل تحالفات إستراتيجية مع دول المنبع (إثيوبيا ، وأوغندا ،وكنينا وتنزانيا) … وقد باشرت وبصورة واضحة دعم القوى المتمردة في السودان ، بغرض خلخلة الأمن القومي المصري من الجنوب دون الخوض في مواجهة مباشرة معها .

في سبعينيات القرن الماضي نجد أن (جوزيف لاقو) كان يمثل أحد أهم الشخصيات التي مثلت نموذجاً مبكراً لتقاطع المصلحة الإسرائيلية مع التمرد في السودان ، فقاد حركة أنانيا 1 في جنوب السودان في ذلك الوقت ، حيث إعترف لاحقاً بعظمة لسانه في مقابلات تلفزيونية أنه تلقّى دعماً مادياً ضخماً يسيل له اللعاب ، يصل حد الإغراء من الموساد الإسرائيلي ، وشمل دعماً مالياً ، وتدريباً عسكرياً ، ومساعدات لوجستية ، ومعلوماتية .

والهدف من هذا الدعم لم يكن فقط فصل جنوب السودان عن شماله ، لأنه كان واضحاً من ذلك محاولة إضعاف الخرطوم ، من أجل تقليل عمق القاهرة الاستراتيجي في المنطقة ، فلم يتوقف ذاك الدعم حتى بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 ، فاستمر الدعم بصورة غير معلنة ، عبر قنوات عسكرية ، واستخباراتية .

يأتي سد النهضة كمحور حيوي في إعادة تشكيل توازنات القوى في منظقة حوض النيل ، ورغم كونه مشروعاً تنموياً إثيوبياً في ظاهره ، إلا أنه يمثل بُعداً جيواستراتيجياً بالغ الخطورة ، لأن إثيوبيا عبره تتحكم في مصادر مياه النيل التي تصل إلى مصر عبر السودان .

فالدعم الخارجي الذي تلقته إثيوبيا في بناء هذا السد سواء كان مالياً ، أو تقنياً ، أو سياسياً أثار جدلاً كبيراً وتساؤلات عن الجهات التي تستفيد من إخضاع مصر والسودان عبر ملف المياه .

تقارير متعددة تحدّثت عن تعاون (إثيوبي ، إسرائيلي) قديم ، يعود إلى الستينيات ، في مجالات عسكرية وإستخباراتية ، ووجود مصالح إسرائيلية في مشاريع البنية التحتية الإثيوبية ، ما يعزز فرضية أن السد يعتبر أداة ضغط فقط ، وليس مشروع تنموي كما روجت إثيوبيا لذلك .

في العام 2019 صعدت قوات المليشيا المتمردة بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) على السطح ، وبذلك دخل السودان فصلاً جديداً من سيناريوهات متعددة صاحبها تكريس الفوضى في كامل أرجائه ، إلى أن إنزلق في حرب وجودية إستهدفت كل موجوداته ، فأصابته بحالة من الشلل السياسي مع الانهيار المؤسسي في كل شيء .

فتعدد الأطراف الدولية المتدخلة في هذه الحرب بشكل مباشر أو عبر وسطاء ، يجعل المشهد معقداً ومفتوحاً على سيناريوهات طويلة الأمد .

فإستمرار الأزمة في السودان يعني بقاء مصر تحت ضغط دائم من جهة الجنوب ، خاصة في ملف الحدود ، واللاجئين ، مع تهميشها في ملف التحكم في تدفقات مياة النيل الأزرق .

نرجع بالتأريخ القديم لنصطحب معنا البعد الرمزي في منطقة مقرن النيلين ، وقصة سيدنا موسى عليه السلام مع الرجل الصالح ، حيث تشير كثير من القصص الدينية والشعبية اليهودية عن لقاء موسى بالرجل الصالح عند صخرة قرب ملتقى النيلين ، جنوب جزيرة توتي بالخرطوم .

وهذا البعد الرمزي قد لا يكون سبباً مباشراً في السياسات الحديثة ، لكنه قد يُستثمره اليهود في الخطاب السياسي والديني لدى بعض الجهات لتبرير أو تأطير مشاريع إستراتيجية في المنطقة ، خصوصاً عند الحديث عن (أرض الميعاد) ، أو السيطرة الرمزية على منابع المياه … عموماً أن زعزعة السودان لإشغال مصر بإلتهاب جنوبها ، مع أن ملف المياه يعتبر بالتسبة للبلدين أداة ضغط و إخضاع .

السودانيون وبعض المصريين تعاملوا مع ملف سد النهضة بعفوية أكثر من اللازم ، فما يحدث في السودان من تمزيق ممنهج ، ومن دعم إثيوبي غير مشروط لبناء السد ، يثبت أن الهدف الأكبر من هذا العمل المدبر الذي يجري على الأرض ليس مقصود منه التنمية في إثيوبيا ، أو الإنفصال في السودان أو تجزئته إلى دويلات ، أو الإستثمار في الطاقة .

فإشغال مصر في عمقها الجنوبي بملفات صراعية ليست لها نهاية مع حرمانها من التحكم التاريخي في مياه النيل هذا هو الهدف الاساسي ، وكل ذلك من أجل تقليص نفوذها الإقليمي ، وعزلها عن امتداداتها في العمق الإفريقي .

إن كانت الحرب المباشرة مستبعدة بين إسرائيل ومصر فإن الحرب غير المباشرة عبر أدوات مائية وأمنية وسياسية وإقتصادية تمضي قدماً وبصمت شديد ، ولا تحتاج إلى دبابات على الحدود ، أو طائرات ، أو صواريخ ، فإسرائيل تعمل وبجد على خلخلة تدريجية في الملفات الأكثر حساسية للدولة المصرية المتمثلة في ملف الماء ، وحرب السودان ، وعناد إثيوبيا ، وأحادية إدارتها لملف النيل … فنجد كلما إنشغلت مصر بأزماتها الحدودية ، وبأمنها المائي ، إبتعدت عن دورها المحوري في المنطقة ، وهذا بالضبط ما تريده قوى عديدة ، بعضها قد يعلن ، والبعض الآخر يعمل في الظل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
سياسة الخصوصية