
أعلن جهازُ (قوات الدعم السريع المحلولة )عن وقف أحادي لإطلاق النار و”هدنة” إنسانية لمدّة ثلاثة أشهر، في خطوة لاقت تغطية إعلامية واسعة وردود فعل متضاربة محليًا ودوليًا. غير أن التحقق من الوقائع الميدانية يظهر استمرار الاعتداءات وحملات الحصار وحرمان المدنيين من المساعدات الإنسانية في مناطق كُردفان وغيرها، مما يثير تساؤلاتٍ قانونية وسياسية وأخلاقية حول جدّية هذا الإعلان ومآلاته. 
الوقائع الميدانية الأساسية (الملخّص)
1. أعلن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ما يُوصف بوقف إطلاق نار لثلاثية اشهر من جانب واحد. 
2. في المقابل، أعلن القائد العام للقوات المسلحة أنّ الجيش لا يعتبر أن هناك هدنة في ظل استمرار الأعمال العدائية، ورفض مقترحات هدنة أُعدّت برعاية دولية. 
3. تواصل التقارير الموثوقة تسجيل هجمات وقصفًا على مدن في جنوب كُردفان، بما في ذلك بابنوسة ومناطق أخرى، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وإعاقة وصول الإغاثة. منظمات حقوقية وطبية وثقت حالات استهداف للبنى المدنية والطبية في المنطقة. 
4. منظمات الأمم المتحدة والإنسانية تحذر من تفاقم الأوضاع الإنسانيّة وصعوباتٍ في الوصول الآمن للمدنيين، وتؤكد الحاجة لآليات مراقبة والتزامات ملزِمة من كل الأطراف. 
الإطار القانوني الدولي ذي الصلة
1. قانون النزاعات المسلحة (القانون الإنساني الدولي): يحظر استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ويحُدّد واجبات الأطراف المتحاربة بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية العاملين فيها. أي “هدنة” لا تترافق مع رفع الحصار وفتح ممرات آمنة تُعد ناقصة ولا تستوفي متطلبات حماية المدنيين.
2. قوانين الحقوق الأساسية في أوقات النزاع: تشمل الحق في الحياة، الحماية من المعاملة القاسية، والحق في الغذاء والرعاية الصحية، وكلها تستلزم من المجتمع الدولي والجهات القائمة بالعدوان اتخاذ تدابيرٍ فورية لمنع انتهاكاتٍ مستمرة.
3. المسؤولية الجنائية الدولية: ارتكاب هجمات متعمدة ضد المدنيين أو استخدام التجويع كسلاح (الحصار المتعمد) قد يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ما يضع علامتي سؤال حول مسؤولية القيادات الميدانية والسياسية. (راجع تقارير الحقائق والتحقيقات الدولية). 
تحليل قانوني-سياسي لمجمل الوضع
1. الهدنة الأحادية لا تساوي وقفًا قانونيًا مُلزِمًا: بحسب المبادئ العامة للقانون الدولي، الهدنة أو وقف النار الذي لا يبرم باتفاق متبادل واضح وشروط قابلة للقياس والمراقبة لا ينشئ التزامات عملية كافية لحماية المدنيين أو إعادة فتح الممرات الإنسانيّة. الإعلان الأحادي قد يكون تكتيكًا لتجميد الميدان أو كسب غطاء دولي/إعلامي. 
2. التحقق والمساءلة: أي هدنة حقيقية تتطلب آليات تحقق ومراقبة مستقلة ومحايدة (ممثلون أمميون/دوليون) لضمان التزام الأطراف، وإلا فهي بوابة لتكرار الانتهاكات. غياب هذه الآليات يعطل إمكانية تحويل الالتزام الشكلي إلى حماية فعلية للمدنيين.
3. الشرط المسبق لنجاح التهدئة — رفع الحصار والانسحاب: إن مطالبة الجيش بقبول هدنة بينما الجماعات المسلحة تحتفظ بقدراتها على الحصار والقصف يعني الإبقاء على الوقائع الاستعمارية الميدانية كما هي. التجربة العملية والقانونية تُظهر أن النجاح المستدام لأي فترة تهدئة مرتبط بآليات سحب القوات من الأحياء والمدن وفتح ممرات إنسانية تحت رقابة. 
4. الأثر الإنساني والسياسي: استمرار الحصار والقصف يعمّق أزمة التهجير والنزوح ويقوّض ثقة السكان في أي مبادرات سلام شكلية، وربما يُغذي دور الجماعات المسلحة والداعمين الإقليميين في تسييل الصراع. هذا له انعكاسات على عملية الانتقال السياسي المحتملة والمشروعية الوطنية. 
توصيات عملية وقانونية فورية (للسلطات الوطنية والمجتمع الدولي)
1. شرطية الهدنة بمطالب إنسانية قابلة للقياس: على الجهات المعلنة أي وقف/هدنة أن تلتزم فورًا ومن دون تأخير بـ(أ) رفع الحصار عن المدن المحاصرة، (ب) فتح ممرات إنسانية آمنة ومتواصلة، (ج) وقف القصف وإخراج العناصر المسلحة من الأحياء المدنية، وذلك تحت إشراف آلية دولية/أممية. 
2. آلية مراقبة مستقلة: إنشاء بعثة تحقق/مراقبة دولية قصيرة الأمد تحت مظلة الأمم المتحدة أو جهة إقليمية موثوقة قادرة على الوصول الميداني المستمر والتحقق من الالتزامات. يَنبغي أن تشمل الآلية صلاحيات تقارير فورية إلى مجلس الأمن. 
3. وقف الإمداد العسكري الخارجي ومحاسبة الممولين: على المجتمع الدولي أن يضغط عمليًا على الدول المتهمة بدعم الأطراف المسلحة لوقف كل إمداد عسكري فوري، مع فتح تحقيقات مستقلة حول شواهد الإمداد. هذا شرط أساسي لإزالة الحوافز لبقاء الصراع. 
4. حماية المدنيين وتعزيز الإغاثة: اعتماد “مناطق إنقاذ إنسانية” مؤقتة مع ضمان مرور قوافل الإغاثة دون عوائق، وتسهيل عودة النازحين مشروطًا بأمن حقيقي وبتحقق دولي. 
5. مسارات قضائية ومساءلة مبكرة: توثيق الانتهاكات بشكل منهجي من قبل جهات مستقلة لتأمين أدلة في مواجهة مسؤولين متورطين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية لاحقًا. التعاون مع آليات العدالة الدولية أمر ضروري. 
خاتمة واستدعاء إلى العمل
القول بأن هناك “هدنة” بينما تستمر الممارسات الحربية ذات الطابع الإجرامي يُعوِّض السياسة على حساب حماية الإنسان. السودان يَحِقّ له — دستورًا وقانونًا وإنسانيةً — أن يسعى إلى هدنة حقيقية تؤدي إلى وقف دائم يضمن حماية المدنيين وإيصال المساعدات وفتح مسارٍ سياسي جامع. أمّا التهدئة الشكلية أو الإعلانات الأحادية فستكرّس الواقع القاتم نفسه وتبطئ المسارات نحو المساءلة والانتقال السياسي السليم. المجتمع الدولي، ومنظمات الإغاثة، ووسائل الإعلام مطالبون بالتحرّي الدقيق ومطالبة الدعم السريع قابلة للقياس ومهمة الرقابة والمساءلة. 




