*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي البرهان… وخطاب السقف السياسي*

متابعات: اللحظة نيوز
حيا رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الجمعة، الشعب السوداني وشهداء معركة الكرامة، خلال مخاطبته المصلين بمسجد ومسيد الشيخ الطيب بأم مرحي في أم درمان. غير أن أهمية الخطاب تجاوزت المناسبة، بالنظر إلى توقيته السياسي، حيث جاء في ظل تصاعد الحديث عن مبادرات لوقف إطلاق النار وتداول تسريبات حول مسارات تفاوضية جديدة. ترسم ملامح المرحلة القادمة.
ففي أوقات الأزمات، لا تُقرأ خطابات القادة بمعزل عن سياقها، إذ تتحول إلى أدوات لتحديد المواقف ورسم حدود الحركة السياسية. لذلك، فإن تأكيد البرهان أن القوات المسلحة “لن تسلم هذه الدولة إلا وفق تراضٍ وطني بين السودانيين”، وأن أي مسار لا يحقق أمن السودانيين واستقرارهم لن يكون مقبولًا، جاء بمثابة إعلان للسقف السياسي الذي تتحرك في إطاره الخرطوم: سلام ينهي أسباب الحرب ويحفظ للدولة سيادتها.
ومن هنا تبرز أهمية الوثيقة الأمريكية المسربة باعتبارها مؤشرًا على طبيعة النقاش الدولي حول إنهاء الحرب، إذ تضمنت هدنة إنسانية لمدة تسعين يومًا، وآليات أممية لانسحابات محدودة تمهيدًا لوقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية انتقالية. غير أن قراءة مثل هذه الوثائق لا تتم من خلال نصوصها فقط، بل من خلال سياقها وتجارب الأطراف مع الاتفاقات السابقة.
وتكشف الوثيقة نقاط اتفاق بين الخرطوم وواشنطن حول سيادة السودان، ووقف التدخلات الخارجية، وبناء جيش وطني موحد. لكن الخلاف الجوهري يبقى حول مخاوف الداخل السوداني من أن تتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة الانتشار وتعزيز القدرات القتالية، كما حدث في تجارب سابقة، ما يجعل أي وقف لإطلاق النار بحاجة إلى ضمانات حقيقية تمنع تكرار السيناريو ذاته.
هنا تحديدًا يتضح سبب تشدد الخرطوم في رفض فكرة الانسحاب المحدود التي اقترحتها الوثيقة، وتمسكها بانسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق المدنية التي سيطرت عليها منذ اندلاع الحرب.
فالمسألة، من منظور الدولة، لا تتعلق بترتيب عسكري فحسب، بل بشكل النهاية السياسية للحرب. إذ تخشى الحكومة أن تتحول المعالجات المرحلية إلى واقع دائم يعيد إنتاج الأزمة تحت عنوان السلام، بينما ترى أن السلام المستدام يبدأ باستعادة الدولة احتكارها المشروع للقوة.
وفي المقابل، تبدو التسريبات نفسها جزءًا من أدوات إدارة التفاوض، فمثل هذه الوثائق لا تُسرَّب عادةً بمعزل عن حسابات سياسية، بل تُستخدم لاختبار ردود الأفعال، وتهيئة الرأي العام، وممارسة ضغوط غير مباشرة على الأطراف. ولذلك، فإن خطاب البرهان لم يكن مجرد رد على مضمون الوثيقة، بل علي طريقة إدارة المشهد ، بإعادة تثبيت الخطوط الحمراء للرأي العام الداخلي، قبل أن تتحول التسريبات إلى حقائق سياسية مفترضة.
ولم يوجه الخطاب رسائله إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل أيضًا، حيث تتسع مساحة التوافق حول استحقاقات اليوم التالي، وفي مقدمتها إنهاء تعدد الجيوش، واستعادة الدولة لاحتكار القوة، ورفض أي تسوية تعيد إنتاج المليشيات أو تطيل أمد الصراع. فالمفاوض السوداني يستند في قوته إلى ما يحظى به من سند داخلي في قضايا الدولة والسيادة.
ومع ذلك، فإن إدارة التفاوض تظل بحاجة إلى معادلة دقيقة بين السرية التي تحمي تفاصيل المباحثات، والشفافية التي تعزز ثقة المواطنين وتمنع استغلال التسريبات لصناعة روايات بديلة. فالتجارب الدولية تؤكد أن وضوح المبادئ العامة للتفاوض لا يضعف موقف الدولة، بل يمنحها سندًا سياسيًا أوسع في مواجهة الضغوط الخارجية.
ولعل أخطر ما في الوثيقة المسربة أنها تجاوزت الترتيبات الأمنية إلى رسم ملامح العملية السياسية المقبلة، بما في ذلك الحديث عن استبعاد تيارات أو جماعات بعينها من الحوار. وهذه نقطة حساسة، لأن تحديد المشاركين والمستبعدين يظل شأنًا سياديًا للسودانيين، لا قرارًا تفرضه المنابر الخارجية. فشرعية أي عملية سياسية لا تُبنى على الإقصاء، وإنما على القانون وإرادة الشعب.
ومن هذا المنطلق، فإن معيار المرحلة المقبلة ينبغي أن يرتبط بالموقف من الدولة ومؤسساتها أكثر من الانتماءات الحزبية. فمن ساند الدولة يخضع لمعيار المشاركة الوطنية، ومن وُجهت إليه اتهامات بانتهاكات أو جرائم يكون الفيصل بشأنه هو القضاء، ثم يبقى التفويض السياسي حقًا يحدده الشعب عبر الانتخابات الحرة، لا التفاهمات المغلقة أو الضغوط الخارجية.
وفي السياق نفسه، فإن الانتقال المدني لا يعني عودة أي قوى سياسية إلى السلطة دون تفويض شعبي، بل بناء مرحلة تأسيسية تقوم على الكفاءة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتهيئة الطريق لانتخابات حرة يكون فيها صندوق الاقتراع مصدر الشرعية. فالديمقراطية لا تُفرض عبر الوثائق أو التسويات الخارجية، وإنما تُبنى بإرادة وطنية ومؤسسات مستقرة. ولذلك فإن جوهر المرحلة المقبلة يرتبط بشكل الدولة التي ستخرج من الحرب؛ إذ تتوازى المعركة السياسية مع الميدان بين ضغوط خارجية تسعى للتأثير في مخرجات الصراع، ورؤية سودانية ترى أن السلام الحقيقي هو استعادة الدولة ومنع إعادة إنتاج أسباب الأزمة.
وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن قراءة خطاب البرهان باعتباره تصريحًا عابرًا تُغفل دلالته السياسية؛ فهو في كل محطة تفاوضية يتحول إلى أداة لتحديد سقف الحركة قبل أن تحدده المنابر الدولية أو التسريبات الإعلامية. فالسلام ليس مرفوضًا، لكن السودانيين الذين دفعوا ثمن هذه الحرب من أرواحهم وممتلكاتهم، وتحملوا مرارة النزوح والاغتراب، يرون أن مستقبل بلادهم لا يمكن أن يُرسم إلا بإرادتهم. فالخروج من الأزمة لا يكون بإعادة إنتاج أسباب الحرب، وإنما ببناء دولة تستعيد سيادتها، ويحدد شعبها شكلها السياسي عبر القانون والاختيار الحر. دون املاء من احد.
دمتم بخير وعافية.
الجمعة 10 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#البرهان_والسلام
#السودان_بين_ضغوط_السلام
#خارطة_الطريق_السودانية
#الحل_السوداني
#سيادة_السودان
#نهاية_الحرب
#مفاوضات_السودان
#الدولة_السودانية
#مستقبل_الوطن
#وجه_الحقيقة_إبراهيم_شقلاوي




